دأبت الرياض على استضافة مؤتمر استثماري من الوزن الثقيل، هو “مبادرة مستقبل الاستثمار” لسبع سنوات دونما انقطاع، رغم الظروف والمنعطفات.
يوم الثلاثاء الماضي، أول أيام المؤتمر في نسخته السابعة، حَفلت الجلسات الأولى بالعديد من المتحدثين من رؤساء كبرى البنوك الأميركية، حتى يخيل لكَ وكأن “وول ستريت” قد انتقلت للرياض. لكنهم - أي المصرفيين الأميركان - لم يسعهم إلا أن “يفضفضوا”، فقد نفثوا سحابات من التشاؤم والقلق في ردهات المؤتمر، لكنهُ كان قلقهم وتشاؤمهم هم، وليس قلق وتشاؤم الجميع. ولعلّ من المناسب تصنيف مزاج الحضور إلى فئات:
1) أتفهم تشاؤم الأميركان، وبالأخص أرباب المصارف ممن تحدثوا، فهم متشائمون بسبب أن مخاوف التباطؤ تخيّم على اقتصادهم، فضلًا عن تكالب التضخم وسوق العمل، وبالتأكيد تكاليف مساندة بلدهم للحربين الدائرتين، وآخرها 100 مليار دولار، ولا ننسى أبدًا انهيار عدد من البنوك، التي أدت لتحمل بعض البنوك المشاركة خسائر من بابٍ أو آخر.
2) الأوربيون ليسوا متشائمين بل متوجسين، ولذا فهم صامتون، فأولوياتهم - في ظني - مُنساقة خلف اهتماماتهم الداخلية؛ حرب أوكرانيا والتعامل مع تحدي الطاقة والشتاء على الأبواب وخيمة الحياد الكربوني فوق رؤوسهم، فضلًا عن تباطؤ نمو اقتصادهم إلى نحو 1.3 % مقارنة لـ 2.7 % بالعام 2022.
3) الآسيويون متصدرون ومتحفزون؛ يلاحظ ذلك ليس فقط في عبارات الرئيس الكوري الجنوبي في المؤتمر، وحماسه للمشاركة في تحقيق رؤية السعودية 2030، بل اتضحت النظرة المتمايزة حتى في جلسة البنوك، فقد كان حديث رئيس شركة “سيكويا كابيتال” (Sequoia Capital)، نيل تشن، مُتباينًا نوعًا ما مع حديث المصرفيين الأميركان في بلاك روك ومورجان ستانلي. وكذلك التحفز الذي تجلبه الشراكات الاستراتيجية التي عقدتها السعودية مع كلٍ من الصين والهند.
4) القادمون من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، متفائلون بتنفيذ الرؤى طويلة المدى، التي تمتد إلى العام 2030 كما في السعودية والبحرين وقطر، والإمارات 2031، و2035 كما في الكويت، و2040 في سلطنة عُمان، ما يعني اتفاقًا عالي المستوى على المدى الطويل لدولٍ تتمتّع ليس فقط بالملاءة المالية بل كذلك بالفسحة المالية التي تمكنها من تدبير المال عبر طرح سندات وصكوك عند الحاجة لأجل تمويل مشاريع البنية التحتية وتكوين السعة الاقتصادية اللازمة للتوسع الاقتصادي، ووتائر النمو المرتفعة، أخذًا في الاعتبار أنها تسعى لاستقطاب الاستثمارات، وأن تصبح مراكز جذب إقليميا وعالميا.
* مؤسس مركز جواثا الاستشاري