عرف أبناء البحرين الرياضة بشكل منظم، ابتداءً من تأسيس المدارس الأهلية والحكومية، اعتبارًا من العقد الثاني من القرن العشرين. وكان شعب البحرين كبقية شعوب العالم، له تراثه الخاص المتمثل بممارسة بعض الألعاب الشعبية الخاصة به، والتي يحتاج معظمها إلى الحركة، ومنها على سبيل المثال: الخشيشة، والتيلة، والكلينة والماطوع، والمسابقات المتعلقة بالسباحة، حيث العيون الطبيعية منتشرة في معظم مناطق البحرين. كما كانت تنتشر لعبة القفز المتمثلة في عبور الأنهر الضيقة والعريضة وبصورة خاصة في معظم قرى البحرين، حيث تنتشر مزارع النخيل التي تسقى من خلال الأنهر الجارية. ويضاف إلى ذلك ممارسة القنص وصيد الطيور (الحَبال) التي تحتاج إلى السير بحذر تارةً والجري السريع تارةً أخرى. وكانت تكثر في البحرين حركة الطيور المهاجرة حتى عقد خمسينات القرن المنصرم، بعد ذلك العقد بدأت هجرة الطيور تتلاشى شيئًا فشيئًا.
وحدثت النقلة النوعية في تطوير الحركة الرياضية في البحرين خلال عشرينات القرن الماضي، حين تأسست المدارس الأهلية، والتي تحولت جميعها في العام 1930م إلى مدارس حكومية، كما تأسست دائرة المعارف في نفس العام 1930م، فتم تخصيص حصة للتربية البدنية في جميع المدارس وفق المصطلح المستخدم آنذاك، مع العلم أن أول مدرسة خصصت حصة للرياضة هي مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق في عام افتتاحها 1919م، ويرجع الفضل في ذلك إلى أول مدير للمدرسة وهو الأستاذ حافظ وهبة.
وتم من خلال هذه الحصة مباشرة الطلاب مجموعة من الألعاب الرياضية كالجري، والقفز، وكرة القدم، والكرة الطائرة، وكرة الهدف، وكرة اليد، وتنس الطاولة، وشد الحبل، ورمي الرمح، وكرة الريشة.
وبدأت دائرة المعارف تنظيم المسابقات الرياضية بين طلاب المدارس في أربعينات القرن العشرين. فقد غطت “جريدة البحرين” في عددها 64 الصادر بتاريخ 23 مايو 1940م خبر الحفلة السنوية للألعاب الرياضية بمدارس الهداية الخليفية التي حضرها سمو الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة وزير المعارف.
وزع سموه الجوائز على الفائزين من المدارس الثلاث التي شاركت في المسابقات، وهي مدارس الهداية الخليفية بالمدن الثلاث: المحرق والمنامة والحد. وتمثلت المسابقات الرياضية في سباق جري 250 ياردة، وسباق رمي الرمح ورمي الكرة الحديدية، والقفز العريض، وسباق لعبة شد الحبل، ولعبة الأرانب، وتسلق العمود، وسباق الدراجات.
وتأسست في العام 1927م أول فرقة كشفية في البلاد بالمدرسة الجعفرية (مدرسة أبو بكر الصديق حاليًا). وذكر تشارلز بليغريف في يومياته أنه في يوم الخميس 7 فبراير 1927م قدم إلى منزله في الصباح طابور من المدرسة الجعفرية بالمنامة - فرقة الكشافة - ووقفوا في فناء المنزل رافعين العلم ويرددون نشيد الصباح.
وصادف بداية العام 1930م إدخال رياضة الجمباز لأول مرة في البحرين بالمدرسة الجعفرية أيضًا. وفي خمسينات القرن العشرين شهدت مدرسة المنامة الثانوية إدخال لعبة الهوكي لأول مرة كلعبة جديدة.
بدأت لعبة كرة القدم وتشكيل الفرق الرياضية تنتشر في البحرين انطلاقًا من مدينة المحرق، انعكاسًا لما كان يمارسه طلاب المدارس آنذاك. وتشير المصادر إلى أن أول فريق رياضي لكرة القدم تأسس في العام 1937م، وأطلق عليه “فريق الشبيبة الرياضي”. وتحول هذا الفريق في العام 1938م إلى ناد أطلق عليه “نادي البحرين” وانتخب عبدالعزيز الشملان أول رئيس للنادي.
تكونت في خمسينات القرن العشرين العديد من الفرق الرياضية، وشاركت بعض تلك الفرق الرياضية في مباريات خارج البحرين. وتذكر جريدة (الخميلة) في عددها 14 الصادر في 16 يناير 1953م خبر مباراة كرة القدم في مدينة الخبر، بين فريق النادي الأهلي البحريني وفريق الوحدة بالمملكة العربية السعودية. وحضر المباراة الأمير مشعل وزير دفاع المملكة العربية السعودية والشيخ عبدالله سليمان وزير مالية المملكة. وألقى مدرب فريق نادي الأهلي إبراهيم كانو كلمة عن المباراة وعن الروح الرياضية، بدأها بالترحيب بوزير دفاع المملكة العربية السعودية.
لم يتوقف نشاط الحركة الرياضية على مباريات كرة القدم فقط، فقد جرى لأول مرة في البحرين سباق الخيل الذي أقيم يوم الجمعة 19 نوفمبر 1943م. وجرى السباق في الأرض الواقعة بالقرب من قلالي تحت رعاية صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين.
وفي بادرة مهمة تستحق الذكر، فقد أقيم سباق الخيل لفصل الخريف في يوم الجمعة 21 نوفمبر 1952م في ميدان السباق بالمنامة، تم فيه تخصيص ريعه لإيفاد المصابين بالسل إلى مصحات مراج بالهند، وثقت هذا الخبر جريدة (الخميلة) في عددها الصادر في 14 نوفمبر 1952م.
كان لشرطة البحرين مساهماتها في الرياضة في فترة مبكرة أيضًا. فقد نشرت “جريدة البحرين” في عددها 276 الصادر في 15 يونيو 1944م خبرًا عنوانه “ألعاب الشرطة الرياضية السنوية”، تم فيه إبلاغ أبناء الشعب البحريني بقيام الشرطة بألعابها الرياضية، وهي ترحب بكل من يرغب في مشاهدة تلك الألعاب التي تقام مساء يوم السبت 26 جمادى الثانية 1363 هـ.
واشتهرت البحرين باهتمامها برياضة سباق القوارب باعتبارها جزيرة يحيط بها البحر من جميع الجهات. فقد أقيم في الزلاق في ديسمبر من العام 1958م سباق للزوارق اشترك فيه 17 زورقًا بقيادة عدد من موظفي شركة بابكو، ومن اتحاد الزوارق بقطر، ورجال الطيران الملكي بالمحرق.. جاء ذلك في خبر نشرته “النجمة الأسبوعية” في عددها 45 الصادر في الثالث من ديسمبر 1958م.
وعلى الرغم من وجود الأندية الرياضية وقيامها بالعديد من المباريات، إلا أنها كانت تهتم بالجانب الثقافي، حيث أقيمت العديد من المحاضرات والمسرحيات على مسارح تلك الأندية الرياضية.
وفي بادرة ملفتة للنظر تم افتتاح “نادي المختلط الرياضي” في 25 يوليو 1940م، وهو أول ناد من نوعه في البحرين يجمع بين الثقافة والرياضة في آن واحد. وضم هذا النادي مجموعة من الشباب المثقف تم فيه قراءة الكتب والصحف، كما تداول فيه الشباب الألعاب الرياضية والفكرية. وجاء في الخبر الذي نشرته “جريدة البحرين” في عددها الصادر في 25 يوليو 1940م تشجيع حكومة البحرين لهذا النادي، كما نال عطف الملك المفدى الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة وأفراد العائلة الكريمة كما جاء ذلك نصًا في الجريدة.
هكذا كان تاريخ البدايات الأولى للحركة الرياضية في مملكة البحرين، التي تم تغطية جزء منها في هذه المقالة، من بدايتها وحتى الخمسينات من القرن المنصرم بصورة مقتضبة، الأمر الذي يؤكد بجلاء غنى موروثنا الرياضي في تلك الحقبة من الزمن.
*باحث ومؤرخ بحريني