العدد 5337
الجمعة 26 مايو 2023
banner
مواجع قديمة
الجمعة 26 مايو 2023

سألته أمه عما يود أن يتناوله كطعام للعشاء، فقال لها “أي حاجة”، قالت له إنه نسخة أخرى من والده الذي لم يتشدد يومًا بخصوص نوعية الطعام أو جودته، ولم يتردد يومًا في أن يتناول الموجود أيًّا كان عندما يشعر بالجوع، قالت: إنه لم يحدث يومًا أن أيقظها من نومها لتعد له الطعام، ولم يحدث يومًا أن طلب صنفًا بعينه على الغداء أو حتى في رمضان، بل إنه على مدى عشرتهما التي تزيد على ثلاثين عامًا لم تتغير إجابته عن سؤال “تتغدى إيه بكره؟”. خلال هذه السنوات كان يقدم الإجابة نفسها للسؤال نفسه “أي حاجة”، لا هو اشتهى أكلة محددة ولا الأم توقفت عن السؤال. قال لأمه: ربما لأن أبي شب يتيم الأم، فهو غير معتاد على رفاهية الإجابة عن سؤال: “تآكل إيه” الذي لم تنطقه يومًا زوجة أبيه، رفضت الأم هذا التفسير وقالت له: “لا ما أظنش” لكن كان واضحا أن التفسير كان على وشك أن يجري دموعها.


بعد منتصف الليل استيقظ جائعًا فتوجه إلى المطبخ، وجد والده هناك ممسكًا برغيف من الخبز البلدي في يد، وفي اليد الأخرى كسرة من الرغيف يخلط بها العسل الأسود بقليل من الطحينة في طبق بلاستيك صغير، دعاه والده لأن يشاركه وجبة العشاء فأبدى موافقة سريعة، أخرج الأب رغيفًا من الثلاجة وقام بتسخينه بمهارة على نار البوتاجاز الهادئة، فاحت رائحة الخبز فأثارت شهيته، وسرت في أوصاله سعادة ما عندما احتكت يده بيد والده وهما يغمسان “العيش” الساخن في اللحظة نفسها في طبق العسل.


أعاد على أبيه الحوار الذي دار بينه وبين أمه ونقل له وجهة نظرها في كونه الزوج المثالي الذي لا يشقى أهل بيته بكثرة طلباته، ثم أخبره عن تعاطفها الشديد معه ولهفة قلبها عليه التي فجرتها الإشارة إلى طفولته التي قضاها يتيمًا محروما من الدلع والرفاهية وحيرة البحث عن هدية عيد الأم، ضحك الأب في خجل وقال بحكمته المعهودة: (مش للدرجة دي، أنا من زمان طبعي كده، كل أكل ربنا جميل). نفد العسل الأسود، عرض على والده المزيد لكنه رفض وطلب منه أن يعد لهما كوبين من الشاي الخفيف بالنعناع البلدي، أعدهما الابن ثم دخل إلى البلكونة فوجد أباه يدخن سيجارته وهو شارد، سأل أباه عن سر شروده فأخذ الأب نفسًا عميقًا من سيجارته وقال له: “تصدق أنا عمري ما حبيت يوم عيد الأم ده”.


- كاتب مصري

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية