+A
A-

المرأة العربية في زمن داعش بالفيلم التونسي "بنات الفه"

كعادتها دائما تعود المخرجة التونسية كوثر بن هنية مشاكسة حادة مثل الشوكة في البلعوم عبر فيلمها الجديد "بنات الفه" الذي يذهب الى استحضار عذابات المرأة التونسية العربية في زمن داعش.

ليس بالمستغرب النهج الذي اشتغلت علية المخرجة كوثر بن هنية التي ومنذ انطلاقته وهي تعزف على ايقاع الالم والهم الانساني عبر مجموعة الاعمال التي قدمتها ومنها شلاط تونس 2014 والجميلة والكلاب 2017 واخيرا الرجل الذي باع جلده 2020 والذي حلق بها وبالسينما التونسية بعيدا الى الترشيحات النهائية للأوسكار، وبين كل ذلك فيلم وثائقي بعنوان زينب تكره الثلج 2016، وهي في كل تلك التجارب تشتغل على المزج بين الوثائقي والروائي عبر حكايات مختلفة وان ظل الانسان الهاجس والمرأة بشكل أكبر القضية والمحور.

في فيلمها تذهب كوثر بن هنية الى قضية التونسية الفه الحمروني التي باتت في يوم من الايام حديث المجتمع التونسي والصحافة والتلفزيون وهي تتحدث عن بناتها اللواتي ذهبت الى التطوع في داعش ضمن من يسمي وقتها جهاد النكاح حتى تزوجت ابنتها زعيم داعش في ليبيا وقتها.

هكذا هو المتن الروائي للفيلم، ولكن كوثر ومن خلال حرفيتها العالية عملت على استحضار الفة وبناتها عبر مزج بين الوثائقي والروائي لتقديم تلك الحكاية المشبعة بالألم والقسوة والفراق وعنف المجتمع وانهيار المؤسسات التى تعني بحماية الانسان والمجتمع.

فيلم يظل يصرح ويعزف الى ايقاعات هي الدين وسطوته والمجتمع وانهياره والمؤسسة الرسمية وسقوطها المجلجل وكم اخر من المعطيات التي تعودت التونسية كوثر بن هنية الذهاب اليها وهي تعلم خطورة مثل هذا الامر في بلادها والعالم العربي حيث لا تزال تلك الذئاب الشاردة تسرح وتمرح تاره في غياب الهيمنة الامنية او من خلال الاحزاب بكافة انواعها.

مزج ذكي بين الوثائقي الذي ظل حاضرا عبر شخصية الفة (الحقيقية) وبناتها (تسير) و (اية) فيما تم تعويض غياب البنات البقية (رحة و غفران) من خلال الثنائي نور قروي واشراق مطر، بينما جسدت الفنانة هند صبري دور الام في مزج بين البعد الدرامي والوثائقي.

اسرة عصفت بها الظروف ام لا تنكر ماضيها وتجاربها السلبية التي عاشتها، ولكنها في الحين ذاته تظل الام التي تريد الحفاظ على بناتها بالذات حينما تنفصل عن زوجها لتعيش لاحقا تجربة من رجل اخر خريج سجون لجريمة قتل ارتكبها وليواصل جرمه الإنساني لاحقا من خلال معاشرة الام ليلا وبناتها لاحقا بحجة انه المسؤول عن الاسرة الفقيرة . وهنا نتوقف عند المعالجة الذكية لشخصية الرجل التي جسدها جميعها الفنان (مجد مستوره) وكأن كوثر والفيلم يريدان ان يقولا بان الرجال جميعهم واحد، هو ذات الرجل بأسماء وعناوين مختلفة.

في الفيلم رحلة لرصد عذابات تلك المرأة التي عصفت بها الرياح في مرحلة مبكرة لذا فان كل ما هو قادم سيظل يندرج تحت تلك العواصف التي لم تتوقف عليها وعلى بلادها والعالم العربي بشكل عام . لتنال تلك الريح العاتية بناتها الاربعة بلا استثناء حيث معاول الزمن ومخالب التيارات الدينية وصولا الى هيمنة داعش وفتاوي الجهاد التي سرقت الابرياء من فتيات العالم الى احضان دولة كاذبة وفكر تكفيري وعنف اجتاح العالم تحت راية سيرتها القوي الكبري.

في بنات الفة تظل المخرجة التونسية كوثر بن هنية أكثر صدامية وابعد احترافية وان ظل عليها المزيد من البحث في المنطقة الخاصة بالبنات اللواتي التحقن بداعش وايضا نظرة المجتمع لتلك الحالة الاسرية والدمار الذي لحق بها وكذا الامر بدور وموقف المؤسسة الرسمية لان هذا الامر ظل فارغا عدا مشهد اللقاء من ضابط الشرطة وهو حالة احادية، لا تمثل شمول المؤسسة الرسمية.

في بنات الفه كانت سطوة حضور الاخوات الفه عالية ربما أكثر من الجانب الاحترافي الذي جاء معلقا وليس مكملا لثراء الشخصيات وذات الامر مع شخصية الام الفه حموروني حيث ظل على الفريق الاحترافي في التمثيل بقيادة الفنانة هند صبري المزيد من الاشتغال والبحث لمنح تلك الشخصيات منطقة اضافية تتجاوز الحضور لربما الهامشي قياسا بين سطوة الشخصيات الاساسية وعذابتها وحضور البعد التمثيلي الاحترافي الذي جاء أقرب الى الاكسسوار الباهت فنحن امام قضية كبري ونساء معذبات سرق منهن الحلم والامل والمستقبل.

المعطيات الفنية كانت تمثل حالة من تفسير البعد التوثيقي بالذات عبر كاميرا مدير التصوير المتميز فاروق لاريدا والديكوريست باسم مرزوق والمويقي العذبة التي صاغها امين بوحفه.

ويبقي ان نقول، فيلم بنات الفه لكوثر بن هنية المرأة العربية في زمن الانهيار العربي!