العدد 5328
الأربعاء 17 مايو 2023
banner
جلادويل والتحدث إلى الغرباء
الأربعاء 17 مايو 2023

بعيدا عن السياسة هذه المرة، وجولة في نفوس البشر، من خلال كتابات الصحافي الإنجليزي – الكندي، مالكولم جلادويل، وبنوع خاص كتابه المعنون "التحدث إلى الغرباء"، وفيه استكشاف ثاقب ومثير للتفكير والجدل، للطرق التي يتفاعل بها البشر مع بعضهم البعض، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالخداع والكذب. في هذا الكتاب، يتعمق جلادويل في الجوانب النفسية والفسيولوجية للكذب والخداع، وكيف يمكن لهذه العوامل أن تؤثر على قدرتنا على قراءة وتفسير سلوك الآخرين بدقة، وذلك من خلال قصص حقيقية استطاعت أن تجذب عيون الأفراد والشعوب.
واحدة من النقاط الرئيسية التي يثيرها المؤلف تدور حول البشر، وكيف أنهم سيئون للغاية في اكتشاف الأكاذيب والخداع وهذا غير المتعارف عليه.. لماذا؟ يرجع الأمر جزئيا إلى حقيقة أننا نميل إلى الاعتماد بشكل كبير على الإشارات اللفظية وغير اللفظية، من أجل تحديد ما إذا كان شخص ما يقول الحقيقة أم لا. ومع ذلك، غالبا ما تكون هذه الإشارات غير موثوقة ويمكن تزويرها أو إساءة تفسيرها بسهولة، نتيجة لذلك غالبا ما نجد أنفسنا مخدوعين من قبل الآخرين دون أن ندرك ذلك.
يستخدم جلادويل عددا من الأمثلة الواقعية لتوضيح وجهة نظره، بما في ذلك قضية أماندا نوكس، التي اتهمت زورا بالقتل في إيطاليا، وقضية بيرني مادوف، الذي أدار أحد أكبر مخططات بونزي في التاريخ، أي الاحتيال المالي على المستثمرين، في الحالتين، كان الأفراد المتورطون قادرين على خداع من حولهم من خلال مزيج من السحر والثقة والتلاعب.
موضوع رئيسي آخر يستكشفه جلادويل في "التحدث إلى الغرباء" هو فكرة الثقة، إذ يجادل بأن البشر يميلون بشكل طبيعي إلى الثقة بالآخرين، وأن هذا الميل يمكن أن يكون قوة وضعفا. من ناحية، تسمح لنا الثقة بتكوين علاقات قوية والعمل معا لتحقيق أهداف مشتركة، ومن ناحية أخرى، يمكن أن تتركنا أيضا عرضة للاستغلال والخداع.
يستكشف جلادويل أيضا دور الثقافة والسياق الاجتماعي في قدرتنا على قراءة وتفسير سلوك الآخرين بدقة، ويستخدم مثال برنامج الاستجواب التابع لوكالة المخابرات المركزية بعد 11/9، بحجة أن الاختلافات الثقافية بين المحققين ورعاياهم، جعلت من الصعب عليهم تقييم صدق المعلومات التي كانوا يتلقونها بدقة. 
عندما نكذب، يعمل دماغنا بجد للحفاظ على الخداع، فينشط فعل الكذب عدة مناطق من الدماغ، بما في ذلك قشرة الفص الجبهي والقشرة الحزامية الأمامية واللوزة. قشرة الفص الجبهي مسؤولة عن صنع القرار والذاكرة العاملة وضبط النفس، وكلها ضرورية لبناء الكذبة والحفاظ عليها، ومن ناحية أخرى، تشارك القشرة الحزامية الأمامية في حل النزاعات، ما يعني أنها تساعدنا في حل الصراع الداخلي بين قول الحقيقة والكذب.
ومن المثير للاهتمام أن الأبحاث أظهرت أنه كلما كذبنا أكثر، أصبح من الأسهل على دماغنا خداع الآخرين، وذلك لأن الكذب يمكن أن يخلق مسارات عصبية جديدة في الدماغ، ما يعزز الروابط بين المناطق المشاركة في بناء الكذبة والحفاظ عليها، وبمرور الوقت، يمكن أن يجعل هذا الكذب أكثر طبيعية وتلقائية.
تبين لنا صفحات الكتاب كيف أن لغة الجسد جزء أساسي من التواصل البشري، ويعتقد الكثير من الناس أنه يمكنهم قراءة مشاعر ونوايا الآخرين بدقة من خلال لغة جسدهم.
ومع ذلك، فقد أظهرت الأبحاث أن لدينا العديد من المفاهيم الخاطئة حول لغة الجسد، وغالبا ما تكون تفسيراتنا لها غير دقيقة.
"التحدث إلى الغرباء" هو قراءة موصى بها للغاية لأي شخص مهتم بعلم النفس وعلم وظائف الأعضاء من الكذب والخداع.
هل من خلاصة؟
"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا".

كاتب مصري خبير في الشؤون الدولية

التعليقات
صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية