العدد 5270
الإثنين 20 مارس 2023
banner
مجـرد رأي كمال الذيب
كمال الذيب
الاندماج المستحيل!
الإثنين 20 مارس 2023

يطرح العدد الكبير من المسلمين في أوروبا (حوالي 20 مليونا في مختلف أرجاء القارة) عدة إشكالات يتعلق أغلبها بما يمكن أن نسميه بــ “لاندماج المستحيل”.
لقد جاء أغلب هؤلاء من آفاق العوالم البائسة، من بلدان الطرد السكاني، خصوصا من المستعمرات القديمة، جاءوا وهم يحملون معهم منظومة قيم إسلامية صلبة، ينقلونها من جيل إلى جيل، وأصبح تجذر هؤلاء ظاهرة لا رجوع عنها في الفضاء الأوروبي، لاستحالة العودة إلى الأوطان الأصلية، مع بروز التعبير عن الهوية الإسلامية كعنصر رئيسي من عناصر الاستقرار داخل هذا الحيّز الموسوم بالعلمانية، والحداثة، والحرية والديمقراطية.
ومع هذا التجذر في الفضاء الأوروبي، وتنامي ظاهرة الإرهاب التي غالبا مع يجري ربطها بالمسلمين حصريا، أصبحت معظم البلدان الغربية تنادي بضرورة اندماج المهاجرين، حيث لا تستطيع التخلص منهم، إنما تريدهم أن يذوبوا في النسيج الاجتماعي والثقافي الأوروبي، ما يعني أن على المسلم الذي يعيش في مجتمعات علمانية، أن يفهم أن المرجعيات الدينية ليس لها مكان رئيسي في الحياة الاجتماعية والسياسية الأوروبية، بل تنحصر في دائرة الحياة الخاصة فحسب. وذلك لأن العلمنة تجعل مسألة الاعتراف بالدين اجتماعيا وفكريا وقيميا عملية صعبة، ما يجعل دمج المسلمين العمل ضمن القيم الغربية عملية صعبة، إن لم نقل مستحيلة.
لذلك فإن مسألة التنظيم المؤسساتي للإسلام في أغلب الدول الأوروبية ليست قضية أوروبية، بل قضية المسلمين المهاجرين، بسبب العجز عن التكيف مع مبدأ فصل السياسة عن الدين، لذلك فهم مطالبون من قبل السلطات الأوروبية بإعادة النظر في المبادئ السياسية للسماح بإدخال الإسلام ضمن الإطار القانوني القائم هناك، مع بذل الجهد للتكيف مع العلمانية الغربية بدرجاتها المختلفة، بما في ذلك العلمانية شديدة التشدد في بعض بلدان أوروبا الغربية.. ومن هنا فإن المشكلة ستظل قائمة -بعكس الأمر في الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال - حيث لا مشكلة في تنظيم الإسلام وشرعيته المؤسساتية، بحكم الطبيعة الاتحادية للدولة التي لا تفرض تنظيماً مركزياً، بالإضافة إلى اعتبار القضايا الدينية جزءاً من قضايا المجتمع المدني.

* كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية