العدد 5238
الخميس 16 فبراير 2023
الخرافة والطائفية التي تهدد المجتمعات!
الخميس 16 فبراير 2023

تنتشر عبر تطبيقات “التواصل الاجتماعي” العديد من الفيديوهات، بعضها يحتوي مشاهد لمجموعة من الناس يمارسون طقوساً، يمكن وصفها بـ “البدائية” أو “الخرافية”، لما فيها من تغييب للعقل، وإعمال للعواطف والغرائز، حد “الرثاثة” أحياناً! هذه الطقوس هي مفردةٌ من مكونات ثقافة شعبوية، العامة من الناس يعتقدون أنها جزء من “الدين”، وهو التصور الخاطئ القائم نتيجة خطابات يروج لها دعاةٌ يلقون من على منابرهم سردياتٍ تاريخية متخيلة، معتمدين على بعض كتب التراث الضعيفة، أو الأحاديث غير الموثوقة، أو المخيال الذي كبُر في عصور الصراعات المذهبية، حيث قامت كل طائفة بصناعة شبكة رواية ذاتية، تسعى من خلالها لشد عصب الجماعة وإحكامِ تماسكها الداخلي، لكي تمتاز عن الجماعات المنافسة.  الجهلُ، الفقر، التشبثُ المرَضِيُ بالغيبيات، حالُ الضعف البشري، الخيبات الاجتماعية، وتسليمُ العقلِ للوعاظِ محدودي العلم و”تجار الدين”.. كل ذلك يقود لنتيجة واحدة: ترويجُ الخرافة! هذه “الخرافة” يُلحظُ في عدد من الفيديوهات، أن هناك من يعارضها، ولهم تمام الحق في ذلك لأن المناقدة العلمية للجهل ممارسة مهمة للتخلص من آثاره السلبية.
إشكاليةُ بعض النقادِ أنهم ينطلقون من مواقف “طائفية” في تعليقهم على هذه الممارسات، ما يخلق خطاباً طائفياً مضاداً، ويخلق تخندقاً حاداً بين الفرقاء، وبالتالي عوضَ أن تكون النقودات محفزة على التفكير، فإنها تذهب لاستثارة الحميات المذهبية، التي تقود للصراع بين أفراد المجتمع. وعليه، فإن كل طرف سوف يتشبثُ بأفكاره حتى لو كانت خاطئة، ويدافعُ عنها، ويعتقد أنها هي الحق، فيما هي مزيج من النور والظلمة معاً!
معالجة الخرافة لا يمكن أن تتم من خلال بوابة الطائفية، بل الطريق القويم هو النقد المنهجي والدقيق والهادئ والصريح أيضاً للخطابات الدينية الشعبوية، والعمل على التفريق بين “الدين” و”الخطاب الديني”، وفتح الفضاء العام أمام النقاشات الحيوية التي لا تخشى السؤال، ولا ترمي إقصاء مكون مجتمعي قبالة آخر، بل تعزز التعددية واحترام الآراء المختلفة.
الخرافة – للأسف الشديد - لن تنتهي، هي جزء من ثقافة الشعوب وقصصهم، إنما إشكاليتها الكبرى عندما تقدمُ بوصفها “مقدساً” أو شعيرة دينية، ولذا، فنزع هذه الهالة عبر ترسيخ استقلالية العقل النقدي، هي ما يجبُ الاشتغال الجاد عليه.
* كاتب سعودي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .