مناهل لا تنسى كابوس النوبة... مرهون: التنمر جنّب البعض ارتداء الملابس الشتوية
البرد والإهانات تحملان رايات الألم لمرضى السكلر
يحل موسم البرد مع نهاية نوفمبر وقرب السنة الجديدة، فتمتلئ الأسرة البيضاء بالأجساد المتلوية ألمًا في مجمع السلمانية الطبي المستشفى المركزي الوحيد في البحرين المخصص لعلاج مرضى السكلر.
وقد يبدو الطقس ذو 22 درجة مئوية ربيعيًا ومناسبًا للاحتفالات الخارجية والتنزه واستحضار المشاعر الجميلة لعامة الناس، إلا أن هذه النسمات اللطيفة الباردة ذاتها تشكل كابوسًا وتهيج آلاما مبرحة غير محتملة، تفوق في شدتها آلام الحرق والولادة لمرضى السكلر، وتجبرهم على استقبال وحش تكثر زياراته ليلًا مع ارتفاع معدلات الرطوبة وزيادة البرودة.
شتاء أكتوبر
”قبل عشرين عامًا من الآن، وفي شتاء أكتوبر، أصبت بنوبة سكلر قاسية جدًّا، غيرت مجرى حياتي بالكامل، ومازلت حتى اليوم أعاني من مضاعفاتها”.
هكذا بدأت مناهل منصور مهندسة المساحة التصويرية ومريضة السكلر حديثها عن ليلة تحولت فيها دموع الفرح لبحر من الألم.
كانت تلك ليلة زفاف أختها سهيلة، وقد توجهت مناهل على عجل للبرادة القريبة من المنزل لشراء بعض الحاجيات، لكن الانتكاسة بدأت بنسمة هواء باردة في المسافة القصيرة بين باب السيارة وباب المنزل، حيث دخلت في نوبة ألم شديدة انتهت بها لسرير العناية المركزة وغرف السلمانية التي قضت فيها شهر ونصف كادت تفقد فيها حياتها.
وبعد عشرين عامًا من ذلك النهار، مازالت مناهل تعاني من مضاعفات تلك النوبة، وآلام مستمرة أثرت على أعصاب اليد، فشكَّلت بالنسبة لها إعاقة تمنعها من حمل وإمساك الأشياء بيدها اليسرى.
3 امتحانات
وتذكر مريضة السكلر إيمان سبت مشهدًا مألوفًا لدى مرضى السكلر عامةً قائلة: ”كنت في المرحلة الإعدادية وفي شتاء يناير الذي يضم فترة الامتحانات النهائية، دخلت للاستحمام قبل الاستعداد للمذاكرة وبعدها أصبت بنوبة شديدة حرمتني من تقديم ثلاثة امتحانات بسبب إدخالي للمستشفى، ومازلت أتذكر أنني من شدة الألم لم أستطع الحركة لمدة أربعة أيام”.
ألم النوبة
بدافع الحذر والسيطرة على نوبات الألم، يضطر مرضى السكلر لارتداء طبقات من الملابس الشتوية بشكل أبكر من غيرهم.
ويقول مريض السكلر حميد مرهون: ”نتعرض بعض الأحيان للاستهزاء من بعض أفراد المجتمع كلما ظهرنا بملابس شتوية دافئة رغم اعتدال البرودة، وبكلمات مثل: (شرَّدت البرد، چان لبست خيشة) هذا التنمر دفع بالكثير من مرضى السكلر للابتعاد عن التحصن بملابس شتوية دافئة، والخجل من الظهور بها أمام المجتمع.
ويضيف مرهون: ”النوبات في الشتاء جدًّا قاسية، وتعرضت في مواسم البرد لنوبات شديدة في الوجه، حيث أعجز عن وصف الشعور بالألم لشدته، لذا شخصيًّا لا أهتم لكلام الناس لأنني أنا الوحيد الذي سأتحمل نوبة الألم، وقسوة النوبة أشد من التنمر، وبناءً على ذلك أحصن نفسي دائمًا بملابس دافئة بغض النظر عن التعليقات التي أسمعها”.
طبيب: في الشتـاء 100 مريــض يوميًّــا مـن الذكور لـ”"السلمانيــة””

يؤكد شرف المشعل أخصائي أمراض الدم الوراثية أن فصل الشتاء يحمل نوبات ألم شديدة لمرضى السكلر، حيث يرتفع معدل المراجعين لقسم الطوارئ بمجمع السلمانية الطبي، وخاصة في فترات الليل حين تشتد البرودة.
ويضيف: ”أكثر النوبات تكون عبارة عن آلام شديدة في المفاصل، ويعاني بعض المرضى من التهابات أشدها التهابات الصدر والتي تتطلب التنويم في المستشفى للخضوع للإشراف الطبي، ونستقبل في مركز أمراض الدم الوراثية المخصص للذكور يوميًا متوسط 90-100 مريض في فصل الشتاء”.
وينصح المشعل مرضى السكلر بالإكثار من شرب السوائل في فصل الشتاء، لبس الملابس الدافئة، الابتعاد عن الأماكن الخارجية الباردة قدر الإمكان والانتظام على الأدوية.
مشددًا على أهمية التوجه للمستشفى مباشرةً عند بدء نوبة الألم وعدم الانتظار للانتكاسة.
6024 مريض سكلر بالبحرين
يقين الألم في مواجهة أرقام متذبذبة

يعاني 6024 مريضًا في البحرين من مرض فقر الدم المنجلي ”السكلر” مسجلين لدى وزارة الصحة في الفترة الزمنية بين العام 2013 - 2019 وفق آخر تصريح لوزيرة الصحة السابقة فائقة الصالح في اجتماع مع لجنة الخدمات البرلمانية يناير 2022.
بيد أن تعداد مرضى السكلر في البحرين يظل سرًّا محيرًا بين صعود ونزول، حيث تختلف التصريحات مع اختلاف الوزراء، وتسقط أعداد مهولة بعد كل تصريح.
وكان وزير الصحة الأسبق فيصل الحمر قد أكدَّ في تصريح عام 2008 ردًّا على سؤال النائب الأسبق عبدالله العالي أن عدد الحالات المصابة بالسكلر في مملكة البحرين يتراوح ما بين 14 و16 ألف حالة. بفارق يفوق الـ 7 آلاف مريض خلال 11 عامًا فقط.
والحال سيّان في تضارب الأرقام بين مختلف الجهات في البحرين عند الحديث عن عدد الوفيات لمرضى السكلر. وبغض النظر عن تباين الأرقام، فإن مرضى السكلر يواجهون تحديات يومية في الحفاظ على صحتهم البدنية والنفسية، وتسبب مضاعفات المرض خسارات جسيمة على مختلف الأصعدة الاجتماعية والمهنية والأكاديمية والجسدية، وتتراكم هذه الخسارات عبر محطات الحياة المختلفة، بآثار يصعب محوها، وجراح لا تندمل مع تقادم الزمن.
إنَّ نوبات الألم من المظاهر الأكثر شدة ووضوحًا لمرض السكلر، لكن مضاعفات المرض تتجاوز ذلك لأخرى شديدة أيضًا، مثل: انسداد الأوعية الدموية (الجلطات) والذي يمكن أن يسبب تلف الأعضاء، تضخم الطحال، انحلال الدم والذي قد يسبب تلف الكلى، السكتة الدماغية وحصى المرارة والعديد من المضاعفات الأخرى.
تزداد نوبات الألم حدة مع التعرض للظروف المناخية شديدة الحرارة والبرودة، وها هو شتاء جديد يقبل ملوّحًا براية الألم، ومهددًا حياة الكثيرين من مرضى السكلر في البحرين.
