+A
A-

المسرح التجريبي.. ضرورة حتمية لا سبيل إلى إنكارها أو التقليل من شأنها

هناك من لايزال ينفر من المسرح التجريبي ويعتبره أنه لا يستقيم مع حياتنا ولا نريد أن نمضي وقتا ونضيعه مع عبث وتجريب ولا معنى، بل إن المسرح التجريبي أثبت عدم صلاحيته ومكانه تربة أخرى غير تربتنا، فالتجريب كما يقولون إنه من الأشكال الفنية الصارخة التي وجدت في أوروبا ولم تصدر عن اجتهادات فنية، بقدر ما صدرت كانعكاسات لحالات فكرية ونفسية مهزومة، وما يسمونه في أوروبا اليوم بالمسرح التجريبي ليس شكلًا فنيًّا جديدًا، بقدر ما هو صورة لعقول مضطربة، ووجدانيات منهزمة متشائمة.. وأن ما نحتاجه اليوم هو البحث عن الموضوعات التي نستطيع أن نشحنها بمضمونات تغذي القيم في مجتمعنا، لا تركيز اهتمامنا على التجديد في الشكل الفني، وإلا أعددنا لمسرحنا الانحطاط والتخلف والتراجع.
ردي على هذا الهجوم على المسرح التجريبي والنفور منه واعتباره نبتة شيطانية سيكون ردا في سياق العمل الأدبي والحقيقة التي لا يستطيع أي أحد التشكيك في صحتها.
أقول أولًا... ما هي مقومات الشعر... الوزن والقافية طبعا. فإذا خضع الكلام لهذين المعيارين سمي على الفور شعرا، بصرف النظر عن معنى هذا الكلام.. بمعنى.. هناك مقومات للقصة، وللمسرحية معايير خاصة، وأشكال فنية أو أنماط فنية، أو قوالب محددة لكل منهما، فإذا خضع "أي كلام" لهذه المقومات كلها، سمي قصة أو مسرحية بصرف النظر عما إذا كان له معنى أو لا معنى له، وإذا لم يخضع هذا "أي كلام" لهذه المقومات خرج عن شكل القصة أو شكل المسرحية.
ومن هنا تبرز أهمية الأشكال والقوالب الفنية التي يجب أن تصاغ فيها القصة، أو تصاغ فيها المسرحية، حتى تسمى قصة أو تسمى مسرحية.
المسرح التجريبي هو اتجاه أدبي وفكري حاله مثل بقية الاتجاهات الأدبية والفكرية، جاءت به ظروف هذا العالم المتقلب، ظروف التناحر الفكري والصراعات التي تركت آثارها على النفس البشرية عبر العصور المختلفة، وهذا المسرح الجميل لابد أن يأخذ حيزا كبيرا في حياتنا ومجتمعنا، لأن مجتمعنا الصغير صورة مصغرة للمجتمع الكبير وهو العالم الشاسع، وصورة ناطقة لهذا العالم الذي يرزح ويئن تحت الظروف.
المسرح التجريبي ضرورة حتمية لا سبيل إلى إنكارها أو التقليل من شأنها أو أهميتها بأي حال من الأحوال، كما أنه ليس من الظواهر الغريبة أو السائل بلا طعم، فهو مرتبط ارتباطا وثيقا بحياتنا وهمومنا، ولم يعد مسرح الصواري هو القاعدة التي تنطلق منها الأعمال التجريبية اليوم، بل توسعت هذه القاعدة وبدأت المسارح الأهلية في تقديم مسرحيات ذات طابع تجريبي رائع ولمعت أسماء تفننت في البحث في صحراء التجريب، فلم يعد عبدالله السعداوي وحده، أو يوسف الحمدان، أو إبراهيم خلفان، أو خالد الرويعي وبقية فريق الصواري كحسين عبدعلي ،وحسين الرفاعي ، ومحمد رضوان وغيرهم ، بل دخلت أسماء كجمال الغيلان الذي شارك بمسرحية "المهاجران" من تأليف سرافو ميرومروجي في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 2010، وعبدالله البكري، وياسر سيف حينما كان في مسرح الجزيرة ، وجمال الصقر الذي قدم تجارب مهمة، وجمعان الرويعي، ومصطفى رشيد ، وخليفة العريفي ،وغيرهم  الذين مدوا مصابيح التجريب التي جاء بها السعداوي بالزيت حتى تستمر قناديل المسرح التجريبي مضيئة طوال الوقت، حيث دخلوا من زاوية مختلفة وحققوا الشكل الفني المتكامل للتجريب ذي طابع بحريني خاص وصيغة عالمية عامة.