العدد 4792
السبت 27 نوفمبر 2021
“الضرورة الشعرية” والإصلاح اللغوي
السبت 27 نوفمبر 2021

لعل من المتناقضات التي يقع فيها اللغويون المحافظون المعاصرون أنهم إذ يتمسكون بنحو اللغة بحذافيره كما أرسيت قواعده منذ ألف عام ونيف، فإنهم لا يمانعون من تجاوز بعض هذه القواعد عند فحول الشعراء تحت مبرر ما عُرف بـ “الضرورة الشعرية”، لكنهم يرفضون التجديد في نحو اللغة، حتى أنهم احتجوا بهذا التجاوز بأنه “ضرورة حسنة” ورفضوا ذلك التجاوز بأنه “ضرورة قبيحة”! وينقل العالم اللغوي العراقي الراحل د. إبراهيم السامرائي عما جاء في “العقد الفريد لابن عبد ربه: “... أبيح للشاعر ما لم يبح للمتكلم من قصر الممدود، ومد المقصور، وتحريك الساكن، وتسكين المتحرك، وصرف ما لا يصرف، وحذف الكلمة ما لم تلتبس بأخرى”، كما يُنقل عن الخليل بن أحمد قوله: “الشعراء أمراء الكلام يتصرفون فيه إن شاءوا وجاز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده”، كما يُنقل عن ابن جني قوله: “والشعر موضع اضطرار، وموقف اعتذار، وكثيراً ما يُحرف فيه الكلم عن أبنيته، وتحال فيه المُثُل عن أوضاع صيغها لأجله” (إبراهيم السامرائي، سطوة الشاعر ولغة الشعر، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، يوليو ١٩٨٨). ولعل هؤلاء النحاة المعاصرين ممن ساروا على نهج أسلافهم المحافظين في إباحة تلك الاستثناءات، هم أنفسهم أو جلهم من وقفوا أيضاً ضد الشعر الحر ولم يروا فيه أية استثناءات أو تحديث! وكان الباحث التراثي العراقي هادي العلوي يرى هو الآخر أن “الإعراب لا يندرج في بنية اللغة التي تبقى عربية فصحى بدونه”، وأن الإعراب أيضاً - على حد تعبيره - ليس من السليقة، وهو لا يخدم الجملة الاسمية لأنها واضحة بذاتها من دون زيادات خارجة عنها. (هادي العلوي، هوامش حول مطالب التحديث اللغوي، قضايا وشهادات، شتاء 1991).
وإذ لا نجد لمثل تلك “البِدع اللغوية” نظيراً لها في لغات الأمم، سواء في أشعارها أو في نحوها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من أعطاهم هذا الحق ليتفردوا بإباحة ما هو محظور نحواً للشعراء، وتحريمه على الكتّاب والمتكلمين بالفصحى والتشدد فيه مع المجددين في إصلاح اللغة؟.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .