"منتدى الشارقة الدولي للاتصال الحكومي".. صوت الحضارة الجديدة
لعل التساؤل الأبرز الذي يثير خلفه تساؤلات فرعية أخرى، قد لا تحدها حدود في عالمنا المعاصر بكل تحولاته وتحدياته.. هل لدى العالم العربي والإسلامي مشروع حضاري واضح المعالم؟ وإن وجد، هل يمكن أن يكون "عالمي الغايات"؟ أو بمعنى آخر، أن يكون على خدمة "الإنسانية" متجاوزًا حدود الجغرافيا والهويات والثقافات ليصيغ وحدة "بشرية" متكاملة تخدم الشعوب أينما كانوا؟
دروس التغيير.. قادة التغيير
سيأتي التفصيل موجزًا وعميقًا، بيد أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى المدخل والمغزى من الحديث، وهو "المنتدى الدولي للاتصال الحكومي" الذي تنظمه حكومة الشارقة ويأتي هذا العام 2021 في دورته العاشرة تحت شعار :"دروس الماضي.. تطلعات المستقبل"، ويعقد برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، يومي 26 و 27 سبتمبر الجاري، فالحدث كما يوصف بأنه "استثنائي" في الإمارات والمنطقة بوصفه الحدث الدولي الأبرز الذي يجمع كبار الشخصيات من قادة التغيير، والمسئولين، والفنانين والإعلاميين العرب والأجانب لتحديد دور الاتصال الحكومي في خطط التنمية المستقبلية الشاملة، خاصة بعد جائحة كورونا التي شهدها العالم وشكلت تحديًا كبيرًا أمام أكبر بلدان العالم، ولهذا سأتناول الحدث من محور مختلف نوعًا ما وأعتبره "صوت الحضارة الجديدة".. فهل الشارقة مؤهلة بجدارة لأن تكون هذا الصوت؟ في تقديري نعم.. وبجدارة أكبر مما يمكن تصوره.
التلاقي الحضاري الجديد
إن من اللازم الإشارة إلى أن الحدث ليس مجرد "منتدىً احتفاليًا كرنفاليًا" مقتصرًا على ندوات وأوراق عمل وتوصيات، فالحضارة الإنسانية اليوم تواجه الكثير من التحولات المذهلة والمدهشة والمقلقة وهذه الحالة توجب جهدًا إنسانيًا متفردًا لصياغة نماذج جديدة من التلاقي الحضاري مع الحفاظ على الثقافات والهويات والجذور، فإعادة بناء المعايير الحضارية لا يقوم على إخضاع القوالب والأطر القديمة، بل بمشروع حضاري إنساني يخدم البشرية جمعاء، وهذا الفكر أصيل لدى سمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حفظه الله، الذي وصف في حديث لسموه حول "وثيقة الخمسين"، إن ما أنجزته دولة الإمارات العربية المتحدة لم يتحقق إلا من تركيز كبير على المحرك الرئيسي والحقيقي في عملية التنمية، ألا وهو رأس المال البشري المواطن الذي كان ولايزال على قدر المسؤولية والثقة والطموح الكبير الذي وضعته له القيادة، وسيقع على عاتقه تحقيق انجازات أكبر في الخمسين سنة القادمة بتعلمه وتطوير مهاراته ومواكبة كافة المجالات والتقنيات الحديثة والاستفادة من كل وسائل العلم والتنمية"، وشخصيًا أدرك أن رؤية سموه عالمية البعد لخدمة الإنسان في كل مكان، وليس في بقعة جغرافية محددة، وهذه واحدة من أهداف وغايات منتدى الشارقة الدولي.
منظومة فكرية جديدة
لوهلة، دعونا نتأمل هذا التساؤل :"هل توقفت مسيرة الإنجاز الحضاري العربي؟ وهل هناك حاجة لـ"دينامو" يعيد التشغيل وفق مستجدات العصر؟"، إذن لننظر إلى "منتدى الشارقة" وأنقل نصًا "النبذة" من موقعه الإلكتروني "منذ انطلاقه في العام 2012، فهذا المنتدى يعد التجمع الأكبر في المنطقة لمناقشة أفضل الممارسات العالمية في الاتصال الحكومي، وهو يحرص على ضرورة بلورة منصة موثوقة للتحاور ومناقشة أفضل الأساليب المتبعة في الاتصال الحكومي في العالم، وذلك للارتقاء بالأداء الحكومي وأساليب الاتصال بين الحكومات والجمهور، ويسعى المنتدى إلى بناء منظومة فكرية جديدة في هذا المجال بما يفيد المؤسسات الحكومية والعاملين في قطاع الاتصال، ليس في دولة الإمارات والمنطقة العربية فحسب، وإنما في العالم أجمع"، لكن لغة الأرقام لها أبعاد أخرى، فعدد من حضر الدورات السابقة بلغ 23 ألفًا و273 وتحدث فيها 303 محاضرًا من مختلف المجالات والتخصصات، من عرب وغير عرب، ثم تأتي التغطيات الإعلامية لتتجاوز 10 آلاف تغطية، وهنا بيت القصيد الذي أدرجته تحت عنوان "صوت الحضارة الجديدة".. في عالم التكنولوجيا والإعلام الرقمي والمعلوماتية المذهلة في انتشارها وسريانها، يمثل "منتدى الشارقة"، من وجهة نظري الخاصة، مسارًا نحو إنجاز حضاري بشري يتجاوز رسوم الخرائط الجغرافية على أطلس العالم.
الحالة الثقافية كمنجز عالمي
نعم، حين نعود للفعل الحضاري العربي وإنتاجه الحضاري والثقافي الذي ارتكز على أدب وشعر وفقه وعلم أيضًا، منذ القرن التاسع الميلادي، لا يمكن البقاء على "التقادم" كعامل محوري في قياس النتاج الحضاري، ولولا المبادرات التي تقفز على تلك الحالة الجامدة، لما تحرك ساكن، ولننظر إلى توصيات المنتدى الدولي للاتصال الحكومي في دورة العام الماضي 2020، والتي صيغت لتعزز أثر الاتصال في النهوض بواقع المجتمعات، ولم تحدد تلك المجتمعات في حدود جغرافية، بل بشمولية "البشرية"، وجوهر القول نختصره في توصية مهمة والتي نصت على تشكيل فرق متخصصة بالاتصال عبر الثقافة تتقن مهارات تحويل الحالة الثقافية ومنجزاتها إلى رسائل مناسبة للجمهور المحلي والعالمي، وتبني وسائل الإعلام للمؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتوجيههم بما يخدم الصالح العام ويوصل الرسائل الحكومية، وترسيخ القيم الأصيلة لدى الشباب ووضع الخطط والبرامج التي تساهم في الحفاظ على الهوية، بالموجز العميق أيضًا، وفق ما أعلنه رئيس مجلس الشارقة للإعلام سمو الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي، من أن خصوصية هذه الدورة من كونها جاءت بعد أزمة عالمية أكدت أهمية قدرة الحكومات على التواصل الفعال والمؤثر مع الجمهور، حيث شهدت السنتين الأخيرتين تحولات مفاجئة فرضت ضرورة استحداث نماذج جديدة في قطاع الاتصال من حيث الأدوات الخطابية والمضامين وآليات الاستجابة.
أمام منتدى هذا العام 2021، تحديات أخرى جسيمة، إلا أنه يكفي العرب والمسلمين فخرًا أن تكون "الشارقة".. مدينة إشعاع فكري حضاري إنساني، يصل مداه إلى كل بقاع العالم.
