كنت قلقا من أن تأخذني العبرة أثناء تلاوة البيان الأول
رحلة الموت .. باكورة وثائقيات "البلاد"
رئيس لجنة التحقيق الفنية بحادثة الطائرة يتحدث عن تسجيلات الدقائق الأخيرة بالصندوق الأسود
أطلقت صحيفة “البلاد” باكورة انتاجاتها الوثائقية بفيلم يروي قصة طائرة سقطت بالبحرين في 23 أغسطس 2000، وذلك على لسان شهود عيان من قلب الحادثة الأليمة، والتي عرفت باسم حادثة الطائرة المنكوبة. وحمل الفيلم “رحلة الموت” لأن القدر حمل 143 راكبا، من بينهم 34 بحرينيا، من مطار القاهرة إلى المقابر. وشمل الفيلم رواية أشخاص عاصروا الحادثة من بينهم وكيل وزارة المواصلات لشؤون الطيران المدني سابقا رئيس اللجنة الفنية للتحقيق بالحادث إبراهيم الحمر، وعضو اللجنة الأهلية لتعويض الضحايا شقيق أحد المتوفين كمال الشهابي، وسكرتير قسم المحليات بالزميلة صحيفة “الأيام” عدنان الموسوي، بالإضافة الى أحد أوائل الصيادين الذين شاركوا في انتشال الضحايا شاكر القوة.

روى وكيل وزارة المواصلات لشؤون الطيران المدني سابقا إبراهيم الحمر أبرز المشاهد من حادثة الطائرة المنكوبة بالبحرين في 23 أغسطس 2000. ومن بين ما ذكره أن سمو ولي العهد رئيس الوزراء (ولي العهد آنذاك) قد أمر في مساء يوم حادثة الطائرة المنكوبة بتاريخ 23 أغسطس 2000 بالاتصال بالسفير الأميركي بالمنامة لطلب مساعدة مجلس سلامة النقل الوطني (NTSB) الأميركي؛ ليكون ضمن فريق التحقيق في الحادث نظرا لخبرته الواسعة في مجال تحقيقات حوادث الطيران، وجاء السفير لمقابلة سموه بوقت متأخر من الليل.
وحضر في وقت متأخر من الليل السفير الأميركي لمقابلة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة في قاعة التشريفات بالمطار.
وتحدث خلال مشاركته بفلم “رحلة الموت” الوثائقي عن أبرز ما قبل بالدقائق الأخيرة حسب تسجيلات الصندوق الأسود للطائرة، إذ كان الطيار ومساعده مشغولين في التعامل مع الوضعية التي كانت تمر بها الرحلة في تلك المرحلة حتى لحظة تحطمها.
يشار إلى أن الحمر ترأس لجنة التحقيق الفنية للحادثة. وفيما يأتي نص الحوار:

المشهد الأول
لنعد بذاكرتك 21 عاما لنسترجع المشهد الأول لتلقيك نبأ سقوط الطائرة في مساء يوم الأربعاء الموافق 23 أغسطس 2000.. أين كنت وكيف تلقيت الخبر وكيف تصرفت مع الموقف؟
- مساء يوم الحادث بحوالي الساعة 7:35 مساء كنت أقود السيارة في طريقي للبيت. وتلقيت مكالمة هاتفية من مشرف النوبة في مركز الرقابة الجوية، والذي أخبرني من خلالها بسقوط رحلة تابعة لطيران الخليج قادمة من القاهرة، وللوهلة الأولى استغربت الخبر وظننت أنني لم أسمع الكلام جيدا وبعد التأكد منه عن صحة الخبر، انتابني شعور غريب بين عدم التصديق وضخامة الكارثة وتبعاتها.
بعد ذلك ذهبت إلى موقع الكارثة مرورا أولا بمركز الرقابة الجوية (الرادار)، للاطلاع على الشريط المسجل لمسار الرحلة في مرحلة الاقتراب للهبوط، ولكي أحصل على إيجاز سريع من المراقبين الجويين لتكوين صورة أولية عما يمكن قد حدث.
كما قمنا بإخطار جميع المسؤولين في الدولة حسب قائمة الطوارئ الموجودة عندنا آنذاك، ثم بعدها توجهت بعدها مباشرة لموقع الحادث عند ساحل قرية سماهيج الذي وصلته بعد حوالي نصف ساعة من وقوع الحادث أي حوالي الساعة الثامنة مساء.
عند وصولي لاحظت بطبيعة الحال حركة غير طبيعية لانتشال الجثث من قبل خفر السواحل والصيادين وأصحاب القوارب الموجودين.
وتوليت زمام الأمور بصفتي المسؤول عن الطيران المدني كوكيل وزارة المواصلات لشؤون الطيران المدني، وشكلت خلية أزمة من الزملاء الموجودين آنذاك في موقع الحادث لتنسيق انتشال الجثث وإرسالها مؤقتا بسيارات الإسعاف إلى الساحة الشمالية داخل سور المطار ريثما يتولى الإخوة في الطب الشرعي وطوارئ وزارة الصحة مسؤولياتهم المنصوص عليها ضمن خطة الطوارئ الحكومية لمثل هذه الحالات، إضافة إلى تزويد كبار المسؤولين بآخر التطورات والعمل بتوجيهاتهم.
طبعا أنا لا يمكن أن أنسى مهما طال الزمن أو قصر حالة جثث المسافرين المتوفين (رحمهم الله)، والتي كانت تصلنا أولا بأول من القوارب في مرفأ الصيادين في سماهيج.

قائمة الطوارئ
ما أبرز الاتصالات والتحركات التي جرت خلال الساعات الأولى من الحادث؟
- أبرز الاتصالات تمت مع المكاتب التنسيقية الخاصة بالقيادة الرشيدة وسمو الشيخ علي بن خليفة آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء حاليا (وزير المواصلات آنذاك)، وكبار المسؤولين بوزارات الداخلية والخارجية والصحة وغيرهم الموجودة أسماؤهم آنذاك ضمن قائمة الطوارئ المعتمدة لمثل هذه الحالات، وذلك بتقديم إيجاز لهم بما توافر في تلك اللحظة من معلومات عن الحادث وأعداد المتوفين والمفقودين والإجراءات التي كنا نتخذها آنذاك أولا بأول لاحتواء الأمور وجعلها تحت السيطرة مع هذا الحادث الجلل، لاسيما أن الحادث وقع قرب مناطق سكنية مكتظة. في ليلة الحادث المؤسف حضر للمطار ولي العهد رئيس مجلس الوزراء (ولي العهد آنذاك) صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة الذي تشرفت بتقديم إيجاز لسموه عن آخر التطورات. وقد أمر سموه بالاتصال بالسفير الأميركي لطلب مساعدة مجلس سلامة النقل الوطني (NTSB) الأميركي؛ ليكون ضمن فريق التحقيق في الحادث؛ نظرا لخبرته الواسعة في مجال تحقيقات حوادث الطيران، بالإضافة إلى الجهات الأخرى ذات العلاقة، وذلك عملا بالملحق الثالث عشر المنبثق عن المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) ومقرها مونتريال بكندا، كما وجهنا صاحب السمو بتقديم جميع التسهيلات لفرق الإنقاذ والبحث وتقديم كل التسهيلات لأقارب الضحايا وتسهيل وتقديم المعلومات كافة لفريق التحقيق. وحضر في وقت متأخر من الليل السفير الأميركي لمقابلة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة في قاعة التشريفات بالمطار. وفي اليوم التالي للحادث، تفقد سمو الشيخ علي بن خليفة آل خليفة، وزير المواصلات آنذاك، مكان الحادث وأبدى سموه توجيهاته بذات الخصوص. كما أصدر سموه لاحقا قرارا وزاريا بتشكيل لجنة التحقيق برئاستي بحكم مسؤولياتي وكيلا لوزارة المواصلات لشؤون الطيران المدني آنذاك، وعضوية ممثلين عن مجلس سلامة النقل الوطني الأميركي (NTSB)، ومجلس السلامة الوطني الفرنسي (BEA)، لكون الطائرة المنكوبة مصنعة في فرنسا، وسلطنة عمان كونها دولة تسجيل الطائرة، إضافة للبحرين كونها البلد التي وقع فيه الحادث المؤسف.

البيان الأول
حادث الطائرة المنكوبة كان مهولا.. ولكنك كنت متماسكا في المؤتمر الصحافي الأول.. ما أبرز المشاهد العالقة بذهنك عن ظروف انعقاد المؤتمر؟
- مع بزوغ فجر اليوم التالي (الخميس الموافق 24 أغسطس 2000)، وبعد الجهود الكبيرة التي بذلت لانتشال الجثث، والتي وصل عددها لـ 137 جثة، من أصل 143 مسافرا لغاية فجر يوم الخميس، تلاشت تدريجيا فرص العثور على أحياء من بين الحطام.
ومع هذه الأوضاع الحزينة والمشاعر الفياضة والمتداخلة كان لزاما إعلان البيان الأول عن الحادث بما يتوافر من معلومات، وكنت مدركا صعوبة الموقف بالنسبة لي شخصيا، خصوصا أنني في سبيل إعلان عدد المتوفين وتلاشي فرص العثور على أحياء، وكنت قلقا من أن تأخذني العبرة أثناء تلاوة البيان الأول أو أثناء المؤتمر الصحافي من هول الحدث وشدة الانفعالات العاطفية المتداخلة، لكنني أعتقد أنني تمكنت ولله الحمد من التماسك واحتواء الموقف لكن بصعوبة.
من الأمور الأخرى كان خوفي من الانزلاق بإعطاء معلومات سابقة لأوانها قد تؤثر على سير التحقيقات لاحقا؛ لأنني كنت مدركا تعطش الصحافة والإعلام وأقارب الضحايا لمزيد من المعلومات.

إعلان الحداد
كيف تم التعامل مع ذوي الضحايا؟
- قيادة البلاد الرشيدة وحكومة البحرين كانت داعمة ومتعاطفة بصورة غير محدودة مع الوضع. وأصدر صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة أمره بإعلان الحداد الرسمي، وصاحب السمو الملكي الأمير الراحل خليفة بن سلمان آل خليفة (طيب الله ثراه) قطع إجازته وعاد لأرض الوطن بالإضافة للمتابعة المستمرة من لدن ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، فقد كانت تعليماتهم وأفعالهم واضحة بتقديم كل العون والمساعدة لأسر وأقارب الضحايا.
ومن هذا المنطلق ورغم الظروف الصعبة آنذاك فقد تم تزويد عوائل الضحايا بما يتوافر من معلومات عن مجريات التحقيق من خلال عقد اجتماعات عدة معهم في فندق الخليج، وكذلك تسليم جثث ضحاياهم دون تأخير، وكذلك تم ترتيب سفر العوائل المقيمة خارج البحرين وبالذات من جمهورية مصر العربية إلى البحرين للتعرف على جثث أقاربهم وتسليمها لهم فورا؛ بهدف نقلها لأوطانهم وتزويدهم بما كان متوافرا من معلومات عن مجريات التحقيق.

الدقائق الأخيرة
باعتبارك رئيسا للجنة التحقيق الفنية، فقد استمعت لتسجيلات الصندوق الأسود، فماذا قيل في الدقائق الأخيرة قبل تحطم الطائرة؟
- الصندوق الأسود كما يطلق عليه هو في الحقيقة عبارة عن جهازين، الأول يسجل كل الأصوات التي تتم داخل قمرة القيادة ومع طاقم الضيافة إضافة إلى المحادثات مع المراقبين الجويين.
أما الجهاز الثاني فهو يسجل بصورة رقمية أداء مختلف أجهزة الطائرة إضافة إلى السرعات والارتفاعات والاتجاهات.
الطياران الإثنان (رحمة الله عليهما) كانا مشغولين في التعامل مع الوضعية التي كانت تمر بها الرحلة في تلك المرحلة حتى لحظة تحطمها.

