العدد 4110
الأربعاء 15 يناير 2020
الوضع الليبي لا يحتمل تدخلا عسكريا
الأربعاء 15 يناير 2020

منذ نحو تسع سنوات لم تعرف ليبيا طعم الاستقرار؛ فبعد سقوط النظام السابق دخلت البلاد في مرحلة لم تخرج منها حتى اللحظة، مرحلة عنوانها وواقعها التشظي والانقسام، حَوَّلت خلالها الميليشيات أجزاءَ كبيرة من البلاد إلى مناطق نفوذ لها، يحكمها ويتحكّم في مواردها ومصيرها أمراء حرب كل همهم بقاء الوضع على حاله مهما كلّف الأمر، ليس هذا فحسب بل إن ليبيا كانت على مدى تلك السنوات بيئة جاذبة للإرهاب خصوصا بعد الهزائم التي مُني بها تنظيم داعش في العراق وسوريا، كما أنها باتت منطلقا للهجرة غير القانونية، ينشطُ فيها تجار البشر الذين يكدِّسون الناس بقوارب الموت في رحلةٍ تحفُها المخاطر عبر المتوسط إلى أوروبا. هذا الوضع المعقّد في بلد عربي أفريقي قريب من أوروبا، غني بالموارد الطبيعية، وذي مساحة كبيرة، وحدود ممتدة مع دول عدة، وتداعياته على الليبيين أنفسهم وعلى دول الجوار، جعل الرغبة تتوحد لحلحلة الوضع؛ لكن وحتى اليوم لم تُفلح جميع الجهود الدبلوماسية الحثيثة والمتواصلة في وضع البلاد على السكة التي قد تفضي في محطاتها الأخيرة إلى حل سياسي يَقضي على مظاهر الانفلات الأمني والانتشار الميليشياوي، ويستعيد للدولة هيبتها ومؤسساتها.

ويرى كثير من المراقبين والمهتمين بالشأن الليبي أن السبب الرئيس وراء ذلك الفشل هو اختطاف الميليشيات المسلحة - المدعومة من جهات خارجية- قرار بعض الأطراف السياسية، لتكون محض أدوات معطلة لكل الجهود سواء من قبل الأمم المتحدة أو دول الجوار التي تتضرّر بشكل مباشر من استمرار الأزمة في ليبيا.

خلال السنوات الأخيرة حقق الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر انتصارات مهمة في مناطق عدة، وألحق هزائم كبيرة بعدد من التنظيمات الإرهابية التي وَجدت لها موطئ قدم على الأرض الليبية؛ ومن بينها تنظيم داعش، وقبل أشهر التفت الجيش إلى أهمية تحرير العاصمة طرابلس؛ فبدأ عملية تطهيرها من المليشيات التي تسيطر عليها، وضيق الخناق عليها حتى بات على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة، ومع دخول العملية مرحلتها الحاسمة، وفي خضم هذه التطورات جاء القرار التركي بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، بموجب اتفاق وقع مع حكومة الوفاق، ورغم أن القرار لم يكن بعيدا عن الدور الذي لعبته تركيا في ليبيا على مدى السنوات الماضية؛ إلا أنه يثير علامات استفهام كبيرة حول ما تريده أنقرة من هذا البلد العربي الغارق أصلا في الصراعات؟ ولماذا تحاول إفشال عمليات الجيش الوطني؟ وهل تسعى لتمكين طرف معين وتقوية شوكته؟ وهل تتطلع إلى بقاء عسكري طويل الأمد؟ ثم هل المآرب تتعدى ليبيا؟

قوبل قرار تركيا برفضِ وتنديدِ عموم الليبيين، ووصفه البرلمان بالاحتلال وصوت على اعتباره لاغيا، كما لقي إدانة عربية كونه تدخلا سافرا لا يسهم إلا في تعقيد الأوضاع، ولا يزيد إلا من زعزعة الأمن والاستقرار، ما ينذر بإطالة أمد الأزمة، ويصعِّب من إمكانية إيجاد حلول لها. وإضافة لما يمثله التدخل التركي من انتهاك للسيادة الليبية فإنه ينطوي أيضا على تهديد لأمن دول الجوار، وعلى رأسها جمهورية مصر العربية؛ فوجود قوات تركية في الجارة الغربية لمصر تهديد لأمنها القومي، يمتد لتهديد الأمن القومي العربي برمته.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية