العدد 3597
الإثنين 20 أغسطس 2018
الحج المبرور جداً
الأحد 19 أغسطس 2018

هذا يوم للمسلمين عظيم، يوم ترتفع فيه الأكفُّ، وتشخص الأبصار إلى السماء، ويعيش الحجاج جوّاً من الروحانية لا يدانيه جوٌّ، لأنهم غير معنيين بالعيد وترتيباته كما هو الحال عند غير الحجيج، فهنيئاً لهم هذا اليوم وهذا الجو.

لكن في كل عام تقريباً، يثار الحديث نفسه عن الذين يعودون إلى الحجّ عاما تلو الآخر، ويجددون حجهم، ويوالون محو الذنوب، ومنهم أولئك الذين يتلبّسهم الوسواس بأنهم لم يؤدّوا شعيرة من الشعائر كما يجب، أو لم يكونوا كما ورد في الكتب الفقهية من أداء للمناسك في شكلها الصحيح، فيكبر في نفسه القيل والقال بأن حجّته ليست تامّة، أو ربما تكون مجروحة، فيعقد العزم على الذهاب في السنة التالية، وهكذا يتكرر الذهاب إلى الحجّ، شوقاً، وأملاً، وطمعاً، ورجاءً، وخوفاً، وليشهدوا منافع لهم، وهناك منافع أخرى تعود على الذين يتوّلون ترتيب حملات الحجّ التي يصل أدناها في البحرين إلى 1600 دينار تقريباً، بينما “الحج السياحي” أو “حجّ خمس نجوم” ربما يصل إلى ضعف هذا الرقم وأكثر.

الحديث الذي يدور في هذا الشأن من قبل منتقدي تكرار الحج، يذهب في اتجاه صرف الملايين من الأموال في ما يمكن أن يكون أكثر جدوى وإثراء للمجتمع، وفي الحقيقة، إن هذا النوع من الأحاديث مضت عليه العقود تلو العقود، ومازال يراوح مكانه، ولم يستطع إلى اليوم أن يفتح كوّة في مسألة إعادة النظر والتفكير في الكثير من القضايا المشابهة.

فلو حسبنا حصّة الحجاج من البحرين فهي 4625 فرداً فقط، فوجودهم من عدمه لن يغير في خريطة الحج بشكل عام في مكان يكتظ بحوالي ثلاثة ملايين حاج، فنسبة حجاج البحرين إلى الحجم الكلي للحجاج لا تزيد عن 0.154 %، ولو افترضنا أن الحاج الواحد سينفق 2000 دينار في رحلته هذه فسيكون إجمالي ما يصرف على هذه الفريضة من قبل حجاجنا في حدود 9.25 ملايين دينار، وهذا المبلغ – حسابياً – كما يقول فيه المثل الشعبي: “لا يطعن ولا يسدّ عن طعنة” في المشهد العام، مع ثقة كبيرة بأن عدد المسافرين للسياحة في أقاصي الدنيا هم أضعاف هذا العدد، وينفقون أكثر من هذا الرقم للفرد الواحد، فلا معنى كبير للتركيز المبالغ فيه و”التحجّج” على الحجّ والحجيج!

إلا أن الحديث نفسه تكون له معانٍ أخرى إذا ما جاوز اهتمام الفرد بنفسه، وتخطّاه إلى الاهتمام بغيره، بحيث يمكن لمن ذهب إلى الحجّ قبلاً أن ينوي تخصيص ما سيحجّ به من مال ليعين به مريضاً تتوقف حياته على عملية جراحية، أو لتوفير بعثة دراسية لفقيرة تحصل من خلالها على وظيفة تغيّر بها وجه أسرتها وتنقذها من الفقر، ويمكن بهذا المبلغ المساهمة في مستلزمات مشروع صغير لأسرة تتوقف به عن انتظار الأعطيات والتبرعات، وتقف بكرامة وسط المجتمع، ويمكن بهذا المبلغ شراء حاجات دراسية لعدد ممن يحتاجون إليها لكي لا يكونوا أقل من زملائهم في التحصيل الدراسي، ولاشك أن لدى الجهات الخيرية قوائم من المشاريع داخل البلاد، وهي أولى، أو خارجها، في فعل يترك أثره ولو لدى فرد واحد طوال حياته، وقد ينقل أسرة بأكملها من حال إلى حال.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية