العدد 2795
الخميس 09 يونيو 2016
حلقة واحدة لا تكفي
الخميس 09 يونيو 2016

كالكثير من أبناء جيلي، ومن سبقنا، ولحقنا إلى حد ما، أعجبت ذات فترة بالأشعار النارية الموجَّهة إلى طغاة الأرض أينما كانوا، والمتعاركة مع الأنظمة البوليسية والقمعية، الواقفة ضد الظلم، ومع العدل والحرية، والكثير من نتاجات الحِقب الماضية، وما أجملها من حِقب، بغضّ النظر عن الجوانب الجمالية والشعرية في الشعر، وبصرف النظر عن الفنون القصصية والروائية في “الأدب الملتزم”، فالفكر كان مقدّماً على كل شيء.
بعد قليل من النضج، تبيّن أن كثيراً من الوقت والجهد والآمال تصرف، وتندحر أيضاً عند عتبات شعراء أجادوا هجاء الحكّام والحكومات، وبرعوا في التشبيهات التي لا يقوى أكثر المعارضين تطرفاً لأقسى الأنظمة الديكتاتورية التفوّه بمثلها أو أقل منها، إذ ينتشي المستمعون، ويمتلئون حماساً، وتحمرّ أيديهم وتسخن لشدة التصفيق، وتتجرح حناجرهم من التهليل لهذا الشاعر، وذاك المطرب المناضل، وينتهي الحفل، ويسكن الغبار، ولا يبقى إلا إحساس كاذب بالإنجاز، وأوهام أن شيئاً قد تغيّر على الأرض جراء ما سبق، ولكن شيئاً لم يتغيّر إطلاقاً.
البعض يعتبر هذا جزءا من الوعي والصمود والمقاومة، والبعض يعتبر هذا جزءا من التخدير بإطلاق المكنونات والحماس المفرط، وكما قال نزار قباني: “وأعود لطاولتي.. لا شيء معي.. سوى كلمات”.
بين هذين الرأيين، كيف يمكن تصنيف حلقة “سيلفي” التي أذيعت مساء الثاني من رمضان الجاري، والتي تحدثت بشيء من الفنتازيا عن خطأ طبي يٌكتشف بعد 24 عاماً عن تبديل طفلين في مستشفى الولادة وتأخذ الأسرة الشيعية طفلاً من أبوين سنيين، والأسرة السنية طفلاً من أبوين شيعيين، وعند اكتشاف الخطأ وإعادة الشابين إلى الأبوين البيولوجيين، تتكشف الكثير من القضايا المسكوت عنها في المجتمعات الشرق أوسطية، أي في دول غرب آسيا، حيث الانقسام الحاد بين الطائفتين المذكورتين يقف حائلاً في الكثير من الأحيان دون بناء مجتمعات آمنة متعاونة، حيث الشك والتراكمات التاريخية هي التي تتحكم في إطلاق الأحكام المعلبة على الآخرين حتى من دون التفحّص، اكتفاء بما قيل ويقال، وبما سطرّتها الكتب التي اشتغلت لقرون طويلة على الاسترزاق من الخلافات المذهبية، متغذية على كثير مما يفعله السفهاء من الناحيتين الذين يتصيّدون فيعكّرون المياه التي لا تكاد تصفو، وحتى العقلاء، لا يتفكّرون للحظات بهذا النوع من التأجيج، ويتركون الحبال على غواربها لتأخذ الخلافات مداها، وربما لا يريد أحد أن يضع العصيّ في هذه العجلات، فهنا أمم تسترزق وتنتفع من هذا الشأن العظيم، والسوق رائجة، والموتورون كثر، وحتى الذين لا يمكن أن نسميّهم بالمتعصبين، فكثرة منهم لا تكلف نفسها الذبّ عن الاجتماع الوطني والإنساني، بل ويبادر البعض في نشر ما يقدح في المذهب الآخر تحت مسميات كثيرة، أقلّها “كما وصلني”.
اتبّاعاً للحلقة التي أنتجها المسلسل الرمضاني نفسه في العام الماضي، والذي مثل فيها ناصر القصبي وعبدالمحسن النمر، والمأخوذة أساساً من نكتة متداولة عن اثنين من المذهبين المذكورين يتعاركان في دولة أجنبية، وفي مركز الشرطة يسألهما الضابط عن سبب الخلاف، فيتهمهما بالجنون عندما يعلم أن الشخوص الذين يتعارك الاثنان دفاعاً عنهما توفيا قبل 1400 عام؛ فإن حلقة هذا العام تستثمر بشكل أكثر درامية هذا الخلاف وتحاول أن تطرحه بشكل ربما صادم على المجتمع، لتصل في النهاية إلى حقيقة مفادها أن الكثير من الذي يدور في رؤوس أتباع المذهبين يأتي أساساً من الأوهام والجهل بالآخر والترهات والمنتفعين من البقاء على قمم التديّن بما في هذه القمم من فوائد ومكانة عالية وزعامة واستفادات مادية وغيرها، ودليل على نجاح هذا الاستثمار أن أكثر من 220 ألف تغريدة تداولت هذا الموضوع في حوالي ساعتين من بث تلك الحلقة.
أعود للمقدمة المطوّلة التي سقتها، وهو أنه على الرغم من انتقادات البعض لكيفية تجسيد بعض أفكار المذهبين، وملاحظات من هنا وهناك، إلا أن الكثير، والكثير جداً من الملاحظات والتغريدات والتقارير، أتت مهللة لهذا الطرح والاختراق، ونبش المسكوت عنه الذي تتحاشى الكثير من الدوائر الرسمية والأهلية في الأوطان المساس به، فهي تخشاه، وتخشى الاقتراب منه، وتستحي في أحيان كثيرة فرشه على طاولة النقاش، ووضعه موضع النقد والتشريح لنبذ غير الصحيح من المذهب، وتوضيح الصورة عند أتباع المذهب نفسه وأتباع المذهب الآخر، حتى يزال الوهم. ومن دون هذا، تبقى الحلقات الدرامية، دراما جميلة مرّت علينا ذات يوم، وغداً يوم آخر وحلقة أخرى ربما أقل عنفواناً، وربما أكثر، وربما طرقاً لموضوعات جديدة وجدية، وربما رجوعاً إلى الإضحاك المجرد، وبالتالي، فإنها – كما الأشعار والأسمار ومقالات الشطّار – قد تبث الوعي، وتعمل على إعادة التفكير والبحث عن الحقيقة من تلقاء المرء نفسه من دون اللجوء إلى أطراف تقرأ نيابة عنه، وتفكر عوضاً عنه، وتصل إلى النتائج بدلاً منه، وعليه هو فقط أن يدفع الثمن... وربما تجعل البعض ينتشي بطرح هذه الحلقة وأشباهها، ويعود ليزاول حياته الطبيعية من دون تغيير حقيقي، فهي بذلك قد سدّت فراغاً، وملأت جيوب من قاموا عليها، وحققت شهرة إضافية وجدلاً، ولم تتخط هذا الأمر.
طبعاً ليس من وظيفة الفنان أو المبدع أن يغيّر بيده، وربما استطاع هذا، ولكن يكفيه شرفاً أنه حاول، وأوصل صوته، ونبّه لما يعرفه الجميع، ولكن الأمر لابد أن يتجاوز الضحك والارتياح، إلى العمل الجاد في جميع الأوطان التي تعاني من هذا الانقسام السرطاني الرهيب الذي يعيقنا عن القدرة على الاندماج الحقيقي، ويصرف الطاقات والأوقات في التصيّد، والتظلم، والمراقبة، والمكايدة، واستدعاء التاريخ ليصطف مع كل فصيل في هذا الخلاف المستحكم. فالقضية الطائفية – التي يرى كل طرف فيها أنه يؤدي ما عليه وأن الآخرين هم الذين لا تنفع معهم الطيبة والمحبة – من أشد القضايا التي تدير مجتمعاتنا الغرب آسيوية بشكل كبير، ولها ثقلها الكبير، كونها بعضا من أسباب الحروب الدائرة الآن في هذه البقعة من الأرض.
لنتصور أن العدل بين المذاهب جميعاً انبسط في الأرض، وصار التعامل على الأساس الوطني وليس الطائفي، فهل سيكون في العراق أو في سوريا أو في اليمن أو في لبنان أو غيرها كل هذا الاحتراب؟!.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية