لماذا كان الجنرال ديغول صالحا للحكم في فرنسا والجنرال ايزنهاور في اميركا كذلك ومعظم رؤساء وزارات الكيان الاسرائيلي هم من الجنرالات ولم يؤخذ عليهم كونهم من العسكر في تقلدهم للمسؤولية، في حين دمر عسكر المشرق مستقبل بلدانهم عندما حكموا وأصبحت مقولة يسقط حكم العسكر هتافا اصلاحيا شعبويا، والأمثلة في مشرقنا كثيرة ومنها القذافي وعبدالناصر وصدام ومبارك وعيدي أمين وعلي عبدالله صالح وغيرهم، ولماذا لم تر تركيا النور في عصرها الحاضر الا بعد ان تمكن اردوغان من تقليم اظافر العسكر.
الفرق بين الحالتين واضح جدا وهو ان عسكر الغرب لم يتسلموا الحكم الا من خلال ديمقراطية حقة في حين ان عسكر المشرق تسلموا الحكم من خلال الدبابة او ديمقراطية الخمس تسعات او التوريث الذي يسمح حتى لاي كان ان يصبح حاكما وبما في ذلك العسكر وأشباه العسكر.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو لماذا كان كل عسكر المشرق الذين حكموا مستبدين وأقرب الى الجهلة ولم يتصادف وصول المعي من بينهم الى الحكم ولو مرة واحدة وعلى سبيل الصدفة المحضة. والحقيقة ان الجواب على هذا السؤال يلخص لنا مشكلة حكم العسكر في العالم الثالث.
الجيوش في العالم المتقدم والديمقراطي تربى على طريقة غير طريقة تربية الجيوش لدى الحكام المستبدين ففي العالم المتقدم الجيوش يتمتع افرادها بالحرية والقدرة على مناقشة القائد واستعمال العقل ويدرب العسكري منذ صغره على هذه الامور وعلى تطوير القدرات والسعي الى الثقافة والعلم بالاضافة الى الحريات التي توفرها الانظمة الديمقراطية، في حين يربى العسكري لدى الحاكم المستبد على الطاعة العمياء و”نفذ قبل أن تناقش” ولا يقبل منه إلا “حاضر سيدي” و”تمام يا افندم”، الثقافة تهمة بالنسبة له اذا ما ثبتت فإنه معرض لإنهاء خدماته من الجيش والامعان في التفكير محرم عليه ولو ثبت انه يستخدم عقله كثيرا ويسأل فإن ذلك يعرضه لنفس المصير وإذا ثبت انه يقتني الكتب ويقرأ كثيرا فلن يكون له مستقبل عسكري.
يروي محمد حسنين هيكل ان دراسة قام بها غربيون لعدد من جيوش الانظمة الدكتاتورية وأن الخلاصة في التقرير بعد الدراسة جاء فيها ان هذه الجيوش مستحيل عليها ان تنتصر في حرب لان كل فرد في هذه الجيوش لا يسمح له بالتفكير ازاء أية مشكلة تواجهه وعليه ان يتلقى الأمر فقط وأن ينفذ ومثل هذه الجيوش لا يمكنها ان تربح حربا. ولأجل ذلك لا يصلح مثل هكذا عسكر للحكم الذي يتطلب كل ما هو عكس ذلك تماما.
تخيل ضابطا صغيرا في دول العالم الثالث لو زار وحدته العسكرية قائد الجيش ووزير الدفاع فهل يستطيع هذا الضابط الصغير ان يناقش القائد ووزير الدفاع وأن يجادله بالحجج والمنطق، لكن مثل هذا الأمر حصل مع ضابط صغير في جيش الكيان الاسرائيلي عندما كان موشي دايان رئيسا لاركان الجيش ووزيرا للدفاع فقد جادله ضابط صغير اثناء زيارته لاحدى الوحدات العسكرية وربما تفوق على وزير الدفاع في ذلك النقاش فما كان من ديان بعد الزيارة الا ان نادى على الضابط الصغير وقال لمن حوله هذا الضابط يجب ان يكون في يوم ما رئيس هيئة الاركان ووزيرا للدفاع ورئيسا لوزراء اسرائيل وإن لم يحصل ذلك فإنه سيكون هنالك خلل في النظام في اسرائيل، لقد كان ذلك الضابط الصغير هو إيهود باراك الذي وصل الى كل المناصب التي تنبأ بها له ديان.