كان ذلك في الثلاثين من مارس 1976، أي بعد حرب أكتوبر بثلاث سنوات وبداية بيع القضية الفلسطينية، حينها أقدمت سلطات الاحتلال الصهيوني على مواصلة سرقة الأراضي العربية الفلسطينية ومحاولة اغتصاب عدة آلاف من “الدونمات” من الأرض العربية؛ لتهوديها في الجليل، فثار عرب فلسطين على ذلك القرار، واستخدم العدو الصهيوني القوةن وسقط عدة قتلى من الفلسطينيين من عرب 48، ومنذ ذلك التاريخ والفلسطينيون يحتفلون بهذا اليوم ويعتبرونه أحد رموز صمود الفلسطينيين في وجه العدو الصهيوني، وكان ذلك قبل أن تقرر الأمم المتحدة يوما آخر للأرض.
لم يسقط حينها عدد كبير من الشهداء الفلسطينيين، ولكن العمل اعتبر عدوانا واستحق الاحتفال به والسبب في ذلك أن قوة الثورة الفلسطينية كانت كبيرة ومتقدة في ذلك الوقت، ولم ندخل مرحلة التراجع والانهزامية التي نحن عليها حتى الآن، وكانت آثار العمل المبدئي مازالت قائمة وتعطي ثمارها على الحركة الشعبية. أما الآن، فيسقط آلاف الشهداء في فلسطين وغير فلسطين، ولكن تأثير سقوطهم لا يرقى إلى ما كنا عليه في ذلك الوقت.
لقد انحدر الاهتمام والارتباط بالقضية العربية الفلسطينية والقضايا العربية بصورة عامة درجات كثيرة منذ ذلك الوقت بسبب خنوع النظام العربي وارتباطه بالغرب، ووضع علاقته بذلك الغرب في المرتبة الأولى على قضاياه المهمة والشعبية، وللتدليل على ذلك يمكن الرجوع للبيان الختامي لمؤتمر القمة العربية الأخير الذي انعقد بدولة الكويت الشقيقة، وكيف تكلم البيان عن العدو الصهيوني – كما نراه وليس كما رآه المؤتمرون - حين ذلك في إحدى فقراته عن موافقة المؤتمرين “بحق (إسرائيل) في الوجود والعيش بسلام، على أن لا تكون دولة يهودية” أو بما معناه، وهو ما يعني أن “قادة” الأمة على قناعة بحق الصهاينة في أرض فلسطين، وتحول الاهتمام عندهم إلى القدس الشرقية كعاصمة لفلسطين المقترحة على جزء بسيط من أرض فلسطين التاريخية، ونخشى أن يأتي اليوم الذي يطالبون فيه بالمسجد الأقصى فقط على نمط “برلين” المحاطة قبل انهيار أوروبا الشرقية، والتي كانت حينها محاطة بألمانيا الشرقية، ولكنها تتبع ألمانيا الغربية ... هذا فقط لمن يريد أن يتذكر ويربط القضايا والأحداث...
القضية الفلسطينية في بداية اغتصاب فلسطين وحتى نهاية الستينات وربما بداية السبعينات، كان لها دور وقيمة في الوجدان العربي الرسمي والشعبي، وبقيت القيمة الشعبية على ما هي، ولكن قيمتها الرسمية تدحرجت في انحدار متتال وحاولت جر الوجدان الشعبي معها في ذلك الطريق، ولم تستطع حتى الآن ولله الحمد، بل والمعنيون الرئيسيون بالقضية وعلى رأسهم منظمة التحرير الفلسطينية قد تم جرهم (كونها قيادة) إلى طريق التخلي عن المبادئ التي قامت عليها المنظمة وعمودها الفقري منظمة “فتح”، فقد كانت هناك فلسطين فقط ولا يستطيع كائنا من كان من أبناء الأمة الحديث عما يسمى “إسرائيل”، ولكن بقدرة قادر عمل النظام الرسمي العربي على تهيئة فكر المواطن العربي ليتقبل الانقلاب في المفاهيم شيئا فشيئا وبأسلوب متدرج يمكن من خلاله انتزاع القضية من فكر ويقين الأجيال الجديدة، ويحولها إلى مجرد خلاف بين “إسرائيل” والدول العربية بعد أن كانت في الفترة السابقة صراع بين الصهيونية والأمة العربية ... بين مشروع قومي عربي يرى فلسطين أرضا عربية ومشروع صهيوني يعمل على انتزاع هذه “الفلسطين العربية” من بين أحشاء أمتها ويحولها إلى دولة دينية يهودية صهيونية.
إذا كان المواطن العربي الغيور على حق أمته يمكن أن يغض الطرف عن الإعلام العربي حين يتعامل مع فلسطين على أساس خلاف عربي “إسرائيلي” – مع أن ذلك خطا - فإنه من غير الممكن، بل المستحيل أن يصمت ويغض الطرف حين يتحول الأمر إلى عمل رسمي عربي وهو ما نراه مجسدا في أجزاء من بيان مؤتمر القمة العربي الأخير، ولكن الحقيقة التي كانت في الستينات تحولت إلى واقع مرفوض في الألفية الثالثة، وما نفهمه ونراه أن تلك الحقيقة لا يمكن أن تتحول أو تتغير في الواقع السليم والضمير العربي الذي يمثله الفكر الشعبي العربي ، وإنما ستظل أرضا عربية من المحيط إلى الخليج، هذا ما وعينا عليه وسنستمر عليه ونعمل على ترسيخه عند الأجيال القادمة.