العدد 1990
الخميس 27 مارس 2014
القضاء في مصر... ما الذي يجري؟ أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الخميس 27 مارس 2014

ليس سهلا أن يصدر حكم بإعدام 529 فردا في قضية واحدة خصوصا أن أحكام الإعدام لا تصدر من قاض واحد بل من ثلاثة قضاة، قضية واحدة يحاكم فيها 546 فردا ويحكم بالإعدام على الجزء الأكبر منهم بسبب مقتل ضابط قبل عدة أشهر يبرز عددا من التساؤلات حول الذي يجري هناك وما إذا كان الحكم القضائي مسيسا أم لا.
نفهم من الحكم أولا أن القضاء لم يعط بالا للشارع ولا ما يحدث فيه من عنف ولم يبال القضاة بردة الفعل عليه من قبل جماعة الإخوان ومسانديهم ولا من ردة فعل منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج وأصدرت أحكامها بناء على ما لديها من أدلة ومستندات، وفي ذلك فهم بأن القضاء يصدر أحكامه باستقلالية ولا علاقة له بخارج قاعة المحكمة وخارج ملف القضية.
ونفهم من ذلك ثانيا وعلى الجانب الآخر، وكما يحاول الكثيرون قوله إن الحكم صدر بنوع من الاستعجال، ليس نسبة للحادث الذي مضت عليه عدة أشهر، ولكن نسبة لوقت نظر القضية التي لم تستغرق كثيرا في المحكمة، وهل ذلك صحيح خصوصا أن أحكام الإدانة كانت جميعها بالإعدام وهي أحكام تتطلب البحث والعمق في نظر القضية، إضافة إلى أن الوقت الذي أعطي للمحامين كان قصيرا جدا ولا يتناسب مع الأحكام، فهل يعني ذلك ما يناقض الفهم الأول من أن المحكمة لم تتأثر بالخارج، وأنها تأثرت بما يحدث في الشارع من عنف وأرادت من وراء الحكم إحداث نوع من الرهبة عند من يمارس ذلك العنف في الشارع، وفي هذا لا يكون الحكم مستقلا عن خارج قاعة المحكمة.
ربما نستطيع خلال الأيام القادمة فهم جوانب كثيرة من الناحية القانونية في ما يتعلق بالحكم خصوصا أن أحكام الإعدام من المفترض أن تصدر على من شارك في جريمة القتل وبصورة مباشرة، ومن الصعب فهم أن (529 أو 511 حيث إن الأرقام تختلف حسب الأخبار الواردة) فردا شاركوا في قتل إنسان واحد، فذلك أمر يصعب علينا فهمه إلا إن كانت هناك جوانب أخرى في القضية تستدعي ذلك الحكم المشدد وهو ما يمكن أن نفهمه من الحوارات التي ستجري تعليقا على هذا الحكم... الله أعلم.
قد يكون القضاء قد استجاب في هذه القضية للمطالب التي سادت الشارع المصري خلال الأشهر الماضية التي تطالب بضرورة الإسراع بالنظر في القضايا المنظورة والحديث الدائر بأن هناك بطئا شديدا وغير مفهوم يشوب نظر قضايا العنف الذي يجري في الشارع المصري حاليا، وأنه ربما قد دخل نوع من الخوف عند القضاة حيال إصدارهم الأحكام المناسبة للجرائم المنظورة خصوصا أن عمليات ترهيب كثيرة حدثت بحق الكثير من القضاة المشاركين في نظر تلك القضايا التي تمس أعضاء الجماعة في مصر، وهو ما يمكن أن يكون محفزا أو دافعا لصدور هذا الحكم المشدد.
مع أن هناك نقاط قانونية تحدث فيها الكثير من القانونيين حول هذا الحكم، إلا أن الجانب السياسي أو علاقته - أي الحكم أو القرار القضائي - بالسياسة ربما يكون له دور أو تأثير في صدوره، وهو إرسال رسالة لجميع الرافضين للوضع بصورة عنيفة، ثم هو نوع من التهديد لهم بإمكانية تطبيق حرف ونص القانون عليهم كنتيجة لما هم عليه، ليس لرفضهم الوضع السياسي أو اختلافاتهم السياسية مع النظام، ولكن لممارساتهم البعيدة عن السياسة التي تدخل في دائرة الجريمة ضد الإنسان والأعمال الإرهابية.
ومع أننا نختلف سياسيا، وليس قانونيا أو قضائيا، مع هذا القرار بالرغم من ترحيب الكثيرين به خصوصا في مصر ممن تأثروا كثيرا من أعمال عنف الجماعة منذ العام الماضي، وهي الأعمال التي هيأتهم لتقبل أي شيء من أجل عودة الهدوء للبلد، إلا أننا نرى أن القرار لن يتحول بمجمله إلى حكم وسيتم تعديله في الدرجات التالية ليتحول إلى حكم أكثر منطقية من القرار الحالي، وخلافنا السياسي مع الحكم أو القرار ليس لنوعه ولكن لحجمه وآلياته... والله أعلم

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .