من الصعب إن لم يكن من المستحيل على أي منا أن يعمل أو ينتج في أمر ما إن لم يكن يعرف الحال الذي هو عليه وماذا يريد منه وإلا فإنه يعيش في نوع من التخبط ويسير في عكس الاتجاه أحيانا أو على أقل تقدير في اتجاه مغاير للحل إن كان يبحث عن حل لمشكلة ما لأننا وجهنا البوصلة في غير الاتجاه المطلوب.
الأساس الأول لحل أية مشكلة هو معرفة حقيقة المشكلة ذاتها قبل أن يضع الإنسان رجله على أول خطوات طريق الحل، فهذا الحل لا يكون بغير معرفة المشكلة ومن ثم تصور الحل المطلوب أو المناسب وبعد ذلك يمكن رسم الطريق المناسب للوصول لذلك الحل، بل أحيانا يرى البعض منا في نتائج أو تداعيات المشكلة ويظن خطأ أن تلك النتيجة أو الأثر يمثل لب المشكلة وهذا يدفعه لأن يسير في اتجاه حل النتيجة أو الأثر وينسى الإشكال الحقيقي الذي أوجد تلك النتيجة وأحدث ذلك الأثر وهو ما ينطبق على حالنا اليوم والحوار الذي نحن بصدده، فهناك من يعتقد بأن المشكلة هي في الحوار ذاته وكيف يكون وطريقته او أسلوب السير فيه.
ثم هناك من يعتقد أن المشكلة تكمن في الشق الطائفي الذي حدث في المجتمع المحلي وأن علينا جميعا تدارك ذلك الشق والعمل على رتق الفتق الطائفي في المجتمع وتجسيد أو إعادة الوحدة الوطنية المفقودة حاليا حيث إنها أساس الهدوء في أي مجتمع والمنطلق المهم ليكون هذا المجتمع منتجا ومتقدما ومستقرا مع أن هذا الخلاف الطائفي ليس أكثر من أثر ونتيجة وليس أساسا للمشكلة.
كل ذلك ومعه الكثير من الشواهد التي نعيشها حاليا لا يمثل أساس المشكلة التي نحن بصددها، ولو بحثنا جيدا وبعمق، بعيدا عن التأثر بالموقع أو المذهب أو أي مؤثر آخر لاكتشفنا حقيقة أن ما نفكر فيه ليس أكثر من أثر للمشكلة، بل الحقيقة الأكبر أننا نعيش تداعيات متتابعة للمشكلة وكل أثر ينتج أثرا بعده في نوع من الحلقات التي تشكل سلسلة متتالية لتلك التداعيات بعيدا عن أساس المشكلة الحقيقية التي علينا جميعا فهمها والبحث عن وسيلة لحلها.
هناك من يعمل بلا كلل على إبعاد أصحاب المشكلة عن الحقيقة وإسقاطهم في مستنقع آخر وجعلهم يعيشون في صراع بعيد عن الأساس الأول للمشكلة ذاتها كونه صاحب مصلحة في إبعاد أصحاب الشأن عن الحقيقة، وهذا ما رأيناه كثيرا في السنوات الأخيرة وفي مواقع متعددة بدءا من أفغانستان أواخر سبعينات القرن الماضي والحروب التي حدثت فيها مرورا بالعراق منذ بداية التسعينات والتدمير الذي حدث فيه وصولا إلى ما نحن عليه في وقتنا الراهن في الكثير من الدول العربية، فقد عشنا في كل ذلك في نوع من المؤامرات التي تحدثنا عنها في المقال السابق عندما مهد لنا الغير الطريق لنسير في الاتجاه الخطأ ونبتعد عن الطريق الصحيح فوصلنا إلى نتائج لا علاقة لها بالمشكلة الحقيقية وبالتالي زادت تداعيات المشكلة الحقيقية التي لم نعالجها بل عالجنا أمرا آخر مختلفا كليا.
على سبيل المثال لا الحصر ولتوضيح ما نتحدث عنه يمكن القول إننا محليا لا نعيش مشكلة طائفية بقدر ما كانت الحالة الطائفية التي نحن عليها مجرد نتيجة أو أثر لمشكلة أخرى، والمشكلة كذلك ليست في كيفية تشكيل طاولة الحوار الذي يجري الحديث عنه لأن فشل الجولتين السابقتين لا يمثل المشكلة الحقيقية بل هو أثر لمشكلة أخرى ونتيجة لها، ثم هل الثقة المفقودة أو التي انحسرت بين معظم التيارات السياسية التي منعتها من التحاور والتوصل لتوافقات هي السبب أو المشكلة أو المانع من الوصول إلى حل مطلوب.. لا اظن لأن انعدام تلك الثقة أو فقدانها ليس المشكلة بل هو أثر أو نتيجة لمشكلة أخرى، وبالتالي فإن المطلوب منا هو البحث في حقيقة المشكلة الأساسية.. فهل هناك من يعرفها؟ إن وجد من يعرف نرجو أن يخبرنا بما يعرف وله الأجر والثواب.