حتى الحروب التي تمثل أعنف وسائل الحل والخيار الأخير عند من يمارسها للحصول على ما يراه حقا له، حتى هذه الحروب تنتهي سياسيا، بمعنى أن آلة الحرب عليها أن تتوقف لتعطي المجال لأصحاب الرأي ليتوصلوا إلى حل لها وللقضية التي قامت من أجلها، إلا أنه يبدو أن هناك من له رأي آخر ويريد أن يدخل في العنف بدلا من الرأي والسياسة.
كما يبدو ان هناك من نسي أنه يعيش في دولة لها نظامها ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية التي تقوم بواجبها المطلوب في حماية المواطن فتنادى البعض بالنزول للشارع لمقاومة العنف الذي يسود حاليا ويمارسه أناس عجزوا عن فهم أن العنف لا ولن يؤدي إلا إلى مزيد من العنف ومزيد من الدماء ومزيد من التخلف.
الحالة الضبابية التي نعيشها منذ مدة ربما كانت أحد أسباب التنادي الذي سمعناه مؤخرا فقد حجب الضباب السياسي الرؤية ومنع البعض منا من رؤية الواقع والحقيقة وحتى القدرة فتصور أن بإمكانه ما ليس في قدرته وتصور انه ربما يكون فوق القانون وأدرى به لأن يهدد علنا بكسر النظام والقانون والسير على خطى من يريد التصدي لهم والقيام بالدور الذي يقومون به وفي ذلك تناقض صارخ بين القول والفعل.
مناداة هؤلاء بالنزول للشارع لمقاومة العنف بعنف مضاد قد تضاءلت وعلنا نرى أن الجانب السياسي في الرؤية الذاتية لا يتمكن من التمييز ولا تحديد الأمور والمواقف بما يخدم مستقبل الوطن واستقراره، وهو يحقق على الجانب الآخر الفرز الفئوي والطائفي الذي يسيطر على فكر ورؤية الكثيرين من حولنا وانسياقا لواقع غير صحي يسود المجتمع منذ ثلاث سنوات دون تمييز فكري مستقبلي بأن هذه النوعية من التصرفات يمكن أن تؤدي بالبلد إلى الدخول في دوامة عنف لا تقوم منها وتحولها من دولة إلى دويلات متقاتلة متناحرة يعرف الناس فيها البداية ولكنهم يجهلون المسير والنهاية.
نحن في وطن مستقر له نظامه ومؤسساته وقيادته وسلطاته المختلفة التي يقوم كل منها بدوره حتى وإن قصر البعض في واجبه ومسؤولياته ولكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن نحول وطننا بأيدينا إلى صورة من دول أخرى كما نرى في سوريا وغيرها، دول تحولت إلى مناطق متقاتلة لا سلطة فيها ولا شعب ولا سيادة، والواجب هو التأكيد على السيادة وتعزيز دور السلطة والأجهزة الأمنية التي تعمل على ضبط الشارع وسيادة الأمن والاستقرار وليس التدخل في عملها ومحاولة القيام بعملها دونها.
عندما نريد الاقتداء بالآخر فعلينا البحث عن مثل يستحق النظر إليه ويستحق السير على خطاه والبحث في كيفية وصوله إلى ما هو عليه وليس عن مثل يدخل الخوف في نفوس المواطنين عند الحديث عنه.. مثل ليس فيه غير الدم والقتل والدمار ومعه الجوع.
من يريد الفهم عليه أن يعرف أننا في هذا البلد الصغير مساحة بادرنا قبل غيرنا ووضعنا صورة سليمة مبتكرة لكيفية التعامل مع الأحداث ودفعنا بالغير لمحاولة الاقتداء بما قمنا به وسرنا عليه وأعطينا صورة جميلة للآخرين دفعتهم شعوبا وأنظمة للسير على الطريق الذي سرنا عليه عندما قام الشعب لحماية وطنه وكسر أو قطع الطريق على من يريد او أراد تمزيقه سواء من الداخل او من الخارج، وهذه أمور ربما تكون بعيدة عن فكر وتحليل من يدعو للعنف ولا يهتم بوحدة الوطن وتوحد شعبه ويريد أو يدعو للنزول إلى الشارع لممارسة ذلك العنف أو مواجهة العنف بعنف مضاد لتكون نتيجة ذلك تمزيق الوطن إن لم يكن تدميره مجتمعيا واقتصاديا وسياسيا... والله أعلم.