ليست الديمقراطية العنصر الوحيد الغائب أو المغيب في النظام – أي نظام – بالرغم من وجود النصوص الخاصة بذلك في الدساتير والقوانين، ولكنها الحرية كذلك التي قد تمثل أساس كل القوانين والهدف من ورائها، والدافعة لوضع الدساتير التي هي أساس العقد الاجتماعي الذي يتحدث عنه الكثيرون ويصرون عليه في جميع الدول تقريبا، هذه الحرية قد تكون شكلية فقط أو قشرية بمعنى أكثر دقة، فهي غائبة مغيبة بالرغم من أن الدساتير تضع لها أبوابا كاملة تتحدث عنها وعن كيفية ممارستها وعن الهالة القدسية التي تضعها حولها والحماية التي يقرها الدستور لمنع الآخرين من انتهاك تلك الحرية.
المشكلة ليست في النصوص الدستورية أو القوانين المنفذة لها، فهذه النصوص لا تعدو أن تكون مجرد كلمات مصفوفة بعناية ولا قيمة لها عندما يكون النظام – أي نظام – غير ديمقراطي والأدهى من ذلك عندما يكون غير إنساني في حقيقته وعندما لا يقدم الحماية الحقيقية للإنسان لكي يجعله قادرا على ممارسة حقه في الحرية والديمقراطية، بل الحقيقة أن الأنظمة الحالية بمختلف توجهاتها وأنواعها ومصادرها التشريعية تتسم بالخضوع والتبعية وليس بامتلاك الإرادة التي من خلالها تستطيع منح تلك الحماية للإنسان كي يحوز المكتسبات الحقيقية في الديمقراطية والحرية.
الإنسان حاليا – كما نراه على الأقل – عاجز عن الاستمتاع بحريته كما هي في الدساتير وعاجز عن ممارسة الديمقراطية التي تنص عليها تلك الدساتير سواء فهم ذلك وأحسه أو لم يع ذلك لأنه في حقيقته ليس إنسانا متساويا مع غيره من الخاضعين للمظلة القانونية التي يضعها الدستور والقانون، الحقيقة هي انتفاء المساواة بين المواطنين البشر ووجود تمييز قانوني أحيانا بينهم يضع بعضهم في مرتبة تعلو الآخرين وبالقانون وليس بغيره، أي أن التمييز وانعدام المساواة بين البشر وحجب الحريات أصبح يعيش في ظل القانون إلى الدرجة التي أصبح بها القانون ظالما للبشر بدلا من العدالة التي عليه نشرها في المجتمع خصوصا إذا أيقنا بمقولة إن “القانون أعمى” كما يقال.
الممارسة الديمقراطية في حقيقتها والحرية الإنسانية كما يريدها الإنسان من الصعب إن لم يكن من المستحيل تحقيقهما في ظل التمييز بين البشر وانعدام المساواة، فالمساواة بين البشر في كل شيء، في الحقوق والواجبات، هي الأساس الذي تبدأ منه الممارسة الديمقراطية كما تنص الدساتير الجميلة المنمقة التي يصوغها أحيانا خبراء فيها – في صياغة الدساتير - تسيرهم أهواء بعيدة عن مبدأ المساواة، والمساواة هي الأساس الذي تقوم عليه الحرية الفردية والجماعية، وبدون المساواة يفقد كل شيء قيمته الحقيقية ويتحول إلى مجرد شعارات جميلة وبراقة تملأ الساحة وتتغنى بها الأنظمة بل وتباهي بها العالم وأنظمته الأخرى ولكنها في حقيقتها يمكن أن تكون شعارات خاوية لا قيمة لها إنسانيا، شعارات فقط بلا معنى عملي يحقق للإنسان ما ناضل من أجله على مر العصور وعمل على تحقيقه، وعندما يفقد المجتمع – أي مجتمع – تلك العناصر الثلاثة التي من المفترض أن يقوم عليها أي مجتمع حقيقي وطبيعي، حينها يفقد المجتمع إمكاناته في التطور وتحقيق الرفاهية للإنسان المواطن، بل حتى المساواة نفسها أصبحت نسبية تعتمد على من يطلبها وتحددها قيمته المادية أو المالية.
ما نتحدث به هنا ليس في حقيقته نظرة سوداوية يمكن أن يظنها الغير، وهي ليست تعبيرا عن عجز يعتقده البعض ويحاول الإيحاء به كثيرا، بل هي حقيقة مرة عند البعض ممن يعرفها ولا يستطيع تحقيقها وهي غائبة عند البعض الآخر ويتم تجاهلها من آخرين ممن يرونها ولكنها مناقضة لواقعهم ومصالحهم، فالمرارة يمكن أن يشعر بها من يفهم الحقيقة وليس بيده تغييرها بصورة منفردة ويناضل من أجل ذلك لعله في يوم ما يستطيع إيصال ذلك المفهوم لغيره، وهي غائبة ويتم تجاهلها عند المستفيدين من الغياب المتعمد ويرون فقط تحت أقدامهم بسبب المصالح دون إطالة النظر إلى المدى البعيد الذي يظهر الحقيقة دون زيف أو مواربة، ولنا في ذلك تساؤلات كثيرة نستطيع من خلالها الحكم على الواقع وما إذا كان ما نقول صحيحا أم خطأ... والله أعلم.