العدد 1945
الإثنين 10 فبراير 2014
بعيدا عن المكابرة لا شيء ثابت في السياسة أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الإثنين 10 فبراير 2014

من المعروف أن معدن الإنسان لا يظهر إلا في أوقات الأزمات أو الحالات التي تستوجب معرفة ذلك المعدن الإنساني وما بداخل ذلك الإنسان وكيف يمكن أن يتصرف حيال تلك الأزمات أو الحالات الصعبة، والأفكار أو التيارات لا تتبين قيمتها ولا حقيقتها إلا عندما يمر المجتمع بحالة من الضعف أو الأزمة أو المشاكل الكبيرة التي يتبين من خلالها فكر وقدرة أي تيار للمساهمة في دعم المجتمع والعمل على انتشاله مما يمر به ووضع الحلول لما يمر به من أزمات ومشاكل.
وفي الجانب السياسي فإنه في أوقات الهدوء الطبيعية قد تكون صورة التيارات السياسية شكلية وليست حقيقية أو أنها قد تعمل في إطار نوع من التحالفات أو أحيانا تستطيع الاستعانة بموارد أخرى غير موردها الفكري والسياسي وتظهر من خلال ذلك بصورة مختلفة عن الحقيقة ومتجاوزة لقيمة ذلك التيار خصوصا إذا استعان ذلك التيار بما لا يدخل في الجانب السياسي أو الفكري الخاص به وهي أمور تحدث في عالمنا العربي بصورة غير مسبوقة بل تحدد واقعا للمجتمع على غير حقيقته وتعطي صورة مزيفة عن توازنات قوى المجتمع.
شاهدنا ذلك عن قرب في مصر مؤخرا بعد انتخابات 2012 ثم أحداث 2013 حين بانت حقيقة تيارات معينة كانت على غير تلك الحقيقة قبل ذلك ولكنها تقلصت بفعل الشارع والمجتمع ذاته بعد أقل من سنة واحدة من ظهورها بصورتها غير الواقعية، وهذا يحدث في كل مكان آخر كالكويت التي رأينا كيف اختلفت التوازنات المجتمعية أو قوة التيارات السياسية في الانتخابات منذ أربع سنوات وعرف الجميع أن ما سبق تلك الانتخابات لم يكن يمثل الحقيقة لأن الحقيقة ظهرت بعد ذلك بعد أن عملت التيارات كل على حدة وبانت قدرتها الحقيقية البعيدة عن تزييف الواقع قبل ذلك.
أما هنا فالصورة ليست مختلفة عن كل ذلك وهيمنت تيارات سياسية معينة على الساحة السياسية فترة من الزمن ليس لإمكاناتها وقدراتها وبرامجها السياسية أو الحلول للمشاكل المجتمعية التي تطرحها تلك البرامج، بل كانت هيمنتها لأسباب أخرى بعيدة عن تلك القدرة الذاتية وبقوة دافعة خارج إطار التيار ذاته ولم تكن الدولة حينها بعيدة عن الصورة، بل نستطيع القول إن ما حدث سابقا وأعطى الصورة غير الحقيقية عن واقع المجتمع وزاد في حجم بعض القوى السياسية على غير قدرتها الذاتية كان أحد أسباب الجمود الذي وصل إليه المجتمع وساهم في تغذية الأزمة التي يمر بها هذا المجتمع في الوقت الراهن، فالصورة التي كانت سائدة وما صاحبها من فعل سياسي كان قاصرا عن التجاوب مع أهداف هذا المجتمع ومطالب أفراده.
الحقيقة الغائبة عن نظر بعض تلك التيارات أنها بلا رؤية سياسية واجتماعية حقيقية أو عملية وبلا حلول اقتصادية للمشاكل المجتمعية لكنها تكابر كثيرا وتغض النظر عن الواقع الذي هي عليه وتعتقد خطأ أن ما حدث سابقا يمثل القوى المجتمعية مع انه غير ذلك بل مناف لذلك الواقع.
هذه المكابرة يمكن أن تمثل أهم أسباب الفشل لأنها تحجب الرؤية وتمنع أصحاب الشأن من معرفة الخلل في البنية الفكرية والتنظيمية التي هي عليها وبالتالي تمنعها من القيام بعملية النقد الذاتي المقومة لعمل أي تيار وفهم كيف يمكن معالجة تلك النواقص، وهذا يعني أنها في انحدار متصل وابتعاد مستمر عن الواقع والمجتمع حتى تكتشف يوما أن المجتمع في واد وهي في واد آخر.
وأحد أوجه المكابرة التي تعيشها بعض التيارات (السياسية) أو إحدى صورها ما نراه من محاولة لإظهار ما ليس بها عن طريق الوسائل الإعلامية وملء الصحف ببيانات وتصريحات هنا وهناك فقط للقول (أنا موجود) في الساحة وهو ما يدعو للإشفاق على تلك النوعية من التيارات وبعض منتسبيها ممن يجهلون الواقع الذي هم عليه ويعملون تحت سقف ذلك الجهل.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .