كما قلنا في مقال سابق للسفر فوائد عديدة تدفع بالإنسان لكثرة الأسفار وزيادة المعرفة، بالتالي الترحال يمكن أن تكون له فوائد أكثر من السفر العادي وأوجد الكثير من الرحالة والمستكشفين معلومات على قدر كبير من الأهمية للبشرية وكانت تلك الرحلات التي قام به الكثير من الرحالة سببا من أسباب تطور الأمم التي ينتمون إليها، وفي التاريخ العربي والغربي الكثير من أولئك الذين نشروا الإسلام في ربوع كثيرة وساهم بعضهم في تقدم مجتمعاتهم كما قلنا.
ولكن حين يكون الترحال ليس لأفراد ولكن لشعوب ويكون في نفس الوقت إجباريا وعلى غير رغبة من يفرض عليه التنقل بين فترة وأخرى وليس لطلب العلم أو المعرفة وليس لاستكشاف بلاد أخرى ولكن فقط طلبا للعيش وسعيا وراء الأمن وهربا من الموت فإن الأمر في هذه الحالة يكون مختلفا كليا وقد يمثل خسارة كبيرة لمن يقوم به ولغيره من الشعوب الأخرى وزيادة في التخلف وهذا ما رأيناه ونراه في وقتنا الراهن عند الكثير من شعوب الأرض وبالأخص الشعوب الإسلامية والعربية منها، فقد شاهدنا ذلك في بورما وفي سوريا الآن وفي العراق قبل ذلك وحتى الآن ولكن لم تشهد البشرية حتى يومنا هذا شعبا وقع عليه الظلم وطاله القهر وتم إرغامه على الترحال الدائم والتنقل من دولة إلى أخرى مثل الشعب العربي الفلسطيني الذي لم يتوقف منذ العام 1948 وحتى الآن من التنقل والسفر وعدم الاستقرار.
هذا الأمر كان أحد بنود جدول الأعمال في الاجتماع الذي عقدته لجنة فلسطين في اتحاد المحامين العرب يوم الأحد الماضي في القاهرة وهذا الأمر تم إشباعه جدلا ومناقشة ولكن لم يتم حتى الوصول إلى تصور لحله أو البدء في ذلك الحل لأن الأمر ليس بيد الاتحاد ولا الشعب العربي الفلسطيني نفسه ولكن بيد من لا يريد الحل بل يسعى إلى أن يزيد من عذاب هذا الشعب المناضل (وهذه الكلمة بالرغم من قلة استخدامها هذه الأيام إلا أنها تنطبق تماما على حال الشعب العربي الفلسطيني الذي تم تشريده) الذي مازال واقعا تحت مؤامرة يقودها النظام العالمي ويسير فيها النظام العربي الذي لا يجرؤ على قول كلمة لا للنظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية التي تم تسليم الأمر بالكامل لها منذ سبعينيات القرن الماضي عندما قال السادات يومها إن 99 % من أوراق الحل بيد هذه الدولة بالرغم من المواقف الإذلالية التي تمارسها بحق القضية العربية الكبرى والنظام العربي ذاته.
ما يزيد الطين بلة الأدلجة التي عليها المنظمات الفلسطينية أو قيادات تلك المنظمات وولوجها في تعقيدات الوضع العربي مما دفع الكثير من أطراف النظام العربي إلى اتخاذ مواقف في شكلها مناهضة أو مختلفة مع تلك المنظمات ولكنها في آخر الأمر تنعكس على الشعب العربي الفلسطيني الذي يدفع بالرغم عنه ثمن تلك المواقف التي عليها قياداته فقد شاهدنا وعشنا ذلك في الأردن (أيلول الأسود كما أطلق عليه) الذي تسبب في نزوح جزء كبير من الشعب الفلسطيني، ثم الحرب الأهلية في لبنان التي تسببت في زيادة تشتيت الشعب الفلسطيني الذي ابتعد بسببها من مجاورة أرضه إلى المنافي البعيدة في تونس واليمن وغيرهما.
لا يمكن القول بالقطع إن ذلك هو السبب الوحيد لأن المؤامرة أكبر من ذلك بكثير ولكنه ساهم في وضع تلك المؤامرة موضع التطبيق وتم استخدامه كذريعة لكل ما سبق، فالموامرة كما قلنا كبيرة وطويلة الأمد تنتهي بالسماح لجزء ضئيل جدا وغير مؤثر من الشعب لعودة إلى فلسطين وتشتيت الباقي إلى باقي دول العالم وقطع الارتباط بينه وبين أرضه فلسطين ومن ثم نشود جيل أو أجيال فلسطينية قادمة لا علاقة لها بفلسطين ولا تدرك حقها في العودة إليها.
يبدو أنه تربع طويلا على رأس القيادة في المنظمات الفلسطينية عدد ممن لا يرون غير القيادة ذاتها مما ساهم في إضعاف قوة الشعب والقضية وساهم في تعميق الانقسام الفلسطيني وترك الأمر بيد من يريد إنهاء القضية على حسابها ذاتها وبالتالي على حساب الشعب الفلسطيني وربما بدأ ذلك بالخطاب الذي ألقاه الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في الأمم المتحدة وقرار القمة العربية باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية المسؤول الوحيد عن القضية الفلسطينية في نوع من صك براءة النظام العربي منها حيث تم بهذين الأمرين فتح طريق آخر للثورة الفلسطينية لتحويلها إلى دولة بلا أرض وثورة بلا قيادة ولكن هذا الطريق سيكون مسدودا أمام القيادة الفلسطينية ويحولها إلى ما وصلت إليه حاليا... والله أعلم.