قد يكون إخوان تركيا أكثر ذكاء نوعا ما من إخوان مصر فحاولوا قدر الإمكان التعامل مع الواقع بصورة يمكن القول إنها شبه تدريجيية مع رغبة دفينة بالقفز أحيانا، وحاولوا التعامل مع واقع موجود بصورة مغايرة عن تلك التي تعامل بها الإخوان في مصر العروبة بعد وصولهم للحكم في غفلة من التاريخ مما مكنهم أي إخوان تركيا - من البقاء حتى اليوم على سدة الحكم وساهم في ذلك ما يتم تصويره عن نوع من الانتعاش الاقتصادي ورفع مستوى دخل الفرد، مع أن التململ واضح في الداخل التركي من الحكم الحالي ولكن القوة المستخدمة ضد كل الأصوات المعارضة تعيق ظهور تلك الأصوات كما يحدث في السودان منذ زمن.
أحد أسباب الموقف التركي الحالي من الأحداث في مصر المحروسة وثورة الثلاثين من يونيو الماضي هو بالإضافة للمساهمة في تنفيذ أجندة المؤامرة على مصر وجيشها يأتي الخوف من انتقال العدوى من تلك الثورة إلى تركيا، تماما مثل إيران التي تخشى هي الأخرى من ذلك بسبب التشابه بين الحكم السابق في مصر والحالي في إيران، كلاهما يرى في نفسه الحق والصلاح ويرى في الآخرين الذين يختلفون معه الباطل، فهو وأتباعه في الجنة وغيرهم في النار، وبالتالي إن هناك سببين يخشى منهما النظام الحالي في تركيا ويدفعان به لعمل المستحيل حتى لا يستقر النظام الجديد في مصر ومن هنا يأتي الرد العنيف في تركيا على أي تحرك شعبي داخلي كما شاهدنا وشاهد الجميع كيف تعامل مع تظاهرات ميدان تقسيم في اسطنبول منذ شهور قليلة.
كما كان يحدث في مصر تماما، كان النظام السابق ينادي بنزاهة القضاء واستقلاليته ثم تحول فجأة وبعد ثورة الثلاثين من يونيو إلى معاد لذلك القضاء ومتحدث عن انحيازه وعدم استقلاله وتبنى الهجوم الشديد على الجسم القضائي، هذا ما فعله النظام التركي الحالي في قضية الفساد الأخيرة التي طالت أقرب الناس للسيد “رجب طيب أردوغان” ونعني بذلك ابنه، فقد كان أردوغان من المادحين لذلك القضاء عندما كانت الأحكام في صالحه وصالح حزبه، ولكن ما إن طالت القضايا حزبه وكشفت الفساد الذي استشرى في الحكومة حتى انبرى للتنديد بالقضاء والقضاة بل مارس الإقصاء بحق كل من ساهم في كشف قضايا الفساد المالي تلك والتي طالت الحكم التركي الحالي والنظام في قمته.
الشعوب تتعلم من بعضها وتستقي من تجارب الشعوب الأخرى خصوصا عندما ينجح شعب ما في التغيير وتكون هناك أوجه شبه بينه وبين تلك الشعوب وهو ما يزرع الخشية في داخل النظام التركي الحالي من التحولات في مصر وسقوط حكم الإخوان فيها، بل نبذ الشعب العربي في مصر لتلك الجماعة وبدء محاربتها شعبيا هذه المرة وفقدها للحاضنة الشعبية التي كانت تنضوي تحتها تحت ذريعة المظلومية التي كانت ترفعها شعارا لعملها وتغلغلها في الجسد الشعبي في مصر وغيرها، هذا ما يدفع النظام التركي الحالي لعمل حساباته من أن تنتقل عدوى التغيير المصري إلى الجسد التركي ويسير الشعب في تركيا على هدي وخطى الشعب العربي المصري وتتبين للأتراك حقيقة ما هم عليه الآن وصحة ما وصل إليه المصريون فيبدأ في تتبع تلك الخطى والعمل على التغيير بعد أن تكشفت له الحقائق المغيبة عنه.
هو درس عملي اجتماعي يعطيه شعب مصر للشعب التركي ويدفع به لمحاولة اللحاق به فهل يعيد المصريون الروح للجسد التركي؟ وهل يزيح المصريون النظام التركي بعد أن أزاحوا النظام المصري... الله أعلم.