مرت بالأمس ثلاث وأربعون سنة على رحيله بعد أن ملأ الدنيا قولا وفعلا حتى اختاره الله في مثل هذا اليوم من عام 1970، رحل بعد أن ساهم في إعادة الكرامة المفقودة عند أبناء أمته، وساهم في ملء نفوسهم بالعزة، رحل بعد أن عجز قلبه البشري الضعيف عن المقاومة أمام الكم غير الطبيعي من المشاكل التي زرعتها الخيانة العربية والأجنبية في طريق عمله، فرحل عنا في ذلك التاريخ الثامن والعشرين من سبتمبر 1970، وترك تراثا وتاريخا متجددا لمن يريد من أبناء الأمة أن يسير عليه.
لم تكد تمضي أربعون عاما من الرحيل حتى انتفض أبناء أمته مطالبين بما كان يطالب به من كرامة وحرية ومساواة بين الناس بعد أن انتهك النظام العربي كل تلك المطالب، وعاث فيها فسادا وإفسادا وبعد أن حاول هذا النظام ومن سار واتفق معه على هدم كل ما بناه الرجل في فترة حياته السياسية القصيرة، معتقدين أن للشعوب ذاكرة قصيرة وستنسى رجلها وتنسى معه حقوقها.
لم ينتظر الرجل طويلا للفعل والتجاوب مع إرادة الشعب العربي المصري عام 1952، ولم يضع برامج ومطالب يسير على هديها؛ لأن برنامجه معروف لمن عاش وسط الناس وأحس بمعاناتهم والمطالب خلقتها معاناة البشر من حوله، فبدأ في أقل من شهر بتطبيق أحد مبادئ الثورة في التخفيف عن الكثرة الشعبية، وتطبيق أحد أسس العدالة الاجتماعية المفقودة بقانون الإصلاح الزراعي الأول في شهر أغسطس من عام 1952 ولم يمض عامان حتى وضع الاحتلال الأجنبي في زاويته وأرغمه ومعه الشعب على قبول الرحيل وترك مصر لأبنائها، ولم تمض سنتين أخريين حتى أكمل عقد اتخاذ القرار الوطني بتأميمه قناة السويس التي أهدرت كرامة مصر والمصريين بوجودها كدولة داخل الدولة المصرية، ثم قاد شعبه وأمته لحروب طويلة في سبيل المحافظة على تلك الكرامة الإنسانية والاستقلال الوطني والسير في مشروعه الحضاري الذي جابه كل من كان يريد سرقة تلك الأمة وتقييد حريتها وامتهان كرامة أبنائها.
لم تكد تمض ستة أشهر من رحيله إلى خالقه حتى بدأت الردة، والتي أعقبتها مباشرة الحرب الشاملة على كل ما فعله ذلك الزعيم وكل ما بدأ في بنائه وكل ما أوجده في وجدان شعبه وأمته، وسارت الآلة الإعلامية الضخمة للتنكيل بكل إنجازاته، وكانت جماعة الإخوان أحد أهم أدوات الحرب والارتداد، ثم دخلت الأمة في نفق مظلم طويل طوال تلك العقود الأربعة التي أعقبت الرحيل الأبدي، وعملت على تسويد كل ما فعله ذلك الزعيم اعتمادا على فهم خاطئ لذاكرة الشعوب، فتم تشويه جميع الإنجازات، ثم الإجهاز عليها شيئا فشيئا، وهي إنجازات كثيرة لا حصر لها ولو بقيت (وأعوذ بالله من كلمة لو) لوصلت مصر بها وبشعبها والأمة العربية إلى أبعد مما وصلت إليه دول كثيرة، ومنها ما يطلق عليه نمور آسيا الآن.
كانت العدالة الاجتماعية أحد أهم ركائز مسيرة عبدالناصر -رحمه الله- وكان يرى تلك العدالة في كل مناسبة وموقف، وكان يرى – وهو على حق في هذا – أنه من دون هذه العدالة ومن دون أن يحصل الإنسان على حريته الاجتماعية، فإن حريته السياسية تكون بلا معنى؛ لأن حريته السياسية حين لا تكون مقرونة بحريته الاجتماعية، فإنها – أي الحرية السياسية – تكون بمثابة سلعة معروضة في السوق السياسية يبيعها الفقير لصالح الغني، وتكون بالتالي الحرية بكاملها لمن يملك المال ومعدومة للمحروم الذي لا يملك.
حين يفقد الإنسان قوت يومه، فإنه يبيع رأيه وقراره لمن يريد الشراء، وهم كثيرون.
ثم تدور الأيام ويعود هذا الزعيم ليتصدر الشاشات البيضاء، ويعدو صوته من جديد ليسمعه الشعب والأمة، ويرى أن الرجل عمل على كل ما يطالب به الشعب الآن، وأراد قبل نصف قرن ما يريده الشعب الآن، وتعود للزعيم مكانته التي أراد الغرب والجماعة إخفاءها وطمسها، متجاهلين أن للشعوب ذاكرة لا تموت، وأنها تعرف قيمة زعمائها وتضعهم في المكان الذي يستحقون، وترمي بأعداء الشعوب إلى ما دون مزابل التاريخ. أليس ذلك صحيحا؟ رحم الله الستينات سنوات العزة والفخار، ورحم الله عبدالناصر، وأسكنه فسيح جناته وجنب أمته كيد الكائدين الحاقدين ... اللهم آمين.