لا يستطيع عاقل أن يقلل من أثر الإعلام بصورة عامة وقناة الجزيرة الفضائية بصورة خاصة في عالمنا العربي ومن يفعل ذلك يضع رأسه في الرمل كما يقول المثل، نحن جميعا نعرف المكانة التي عليها هذه القناة منذ بدء نشاطها تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم مع أن معظمنا يعرف أو سمع كيف نشأت هذه القناة ولكن ذلك ليس موضوع الحديث، المهم أننا جميعا نعرف ذلك التأثير وتلك المكانة التي وضعت القناة نفسها عليها منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم وكيف كان دورها في التجاوب مع العقل العربي طوال فترة الظلام العربي وحتى بدء الحركة الشعبية منذ ما يقرب من ثلاث سنوات.
ومع بدء الحراك الشعبي وفي ظل غياب المصادر المتعددة للمعلومة كانت الجزيرة بمثابة المصدر الوحيد لتلك المعلومة ووصلت المتابعة لها ربما إلى القمة خلال الثورتين الشعبيتين في تونس ومصر وبالذات ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 بسبب تغطية القناة للجانب الشعبي والثورة وبسبب إحساس المواطن العربي بقيمة تلك الثورة وتهافته على نجاحها، لذلك حضيت القناة حينها بتقدير شديد من المواطن العربي وفي مصر بالذات، ولكن يبدو أن القائمين على سياسة المحطة نسوا أو تناسوا ما وصل إليه عقل المواطن العربي طوال العقدين الأخيرين في الجانب الإعلامي ودور الوسائل الإعلامية الأخرى في فتح الباب للمعلومة للكثيرين وهي مجالات فتحت أبواب المعرفة حتى لغير المتابعين لمحطات التلفزيون، بل ربما نسوا أو تناسوا دورهم السابق في ذلك الجانب طوال فترة الظلام السابقة للحراك الشعبي وان هذا المواطن أو على الأقل جزءا كبيرا منه بدأ يحلل ويحاول الفهم والتتبع من اجل الوصول إلى الحقيقة.
لقد أعطت صورة الإعلام غير الرسمي التي اكتست به القناة الكثير من المصداقية لها ونأت بها عن النظام الرسمي العربي المرفوض جماهيريا وأضفت على بثها الكثير من المصداقية المفقودة أصلا في الجهاز الرسمي العربي خصوصا في ظل غياب الحقيقة والسيطرة الإعلامية الغربية على مصادر الأخبار ومناهضة المواطن العربي لتلك المصادر لإحساسه بانحيازها لأعداء الأمة فكان ذلك عاملا إيجابيا استخدمته القناة لتثبيت موقعها والانتشار بصورة لم تصل إليها أية قناة عربية أخرى وربطت به المواطن العربي معها إلى الدرجة التي وضع فيها ذلك المواطن قناة الجزيرة على قمة القنوات في المتابعة والبحث عن الخبر وكانت متابعتها تأخذ الحيز الأكبر من وقت المشاهدة التلفزيونية عند الكثير من المواطنين العرب.
كسرت قناة الجزيرة النمط التقليدي للإعلام العربي وتمتعت بجرأة كبيرة في طرح المواضيع الحساسة عربيا وساندتها الدولة المالكة لها والراعية لعملها بالتبرؤ من المسؤولية عن تلك المواضيع وتصويرها بالاستقلالية البعيدة عن الموقف الرسمي للدولة مما دفع بالقناة إلى الاستمرار في ذلك النهج المطلوب شعبيا في العالم العربي بالتصاقها بالجدية والبعد عن التوافه التي دأبت عليها الكثير من القنوات الخاصة العربية التي لا تبث غير المواضيع الترفيهية التافهة من رقص تافه وغناء لا معنى ولا قيمة له ومسلسلات لا ترتقي إلى الذوق الرفيع فنبذ المشاهد العربي الواعي تلك القنوات واندفع لقناة الجزيرة باحثا من خلالها عن الحق والحقيقة وما يرضي تطلعه السياسي والمعرفي.
كانت التغطية التي قامت بها قناة الجزيرة إبان الثورة المصرية والثورة التونسية عام 2011 شاملة ولكل مكونات الشعب فكانت مقبولة، وكانت مناهضة للنظام السابق في تونس والأسبق في مصر فكانت مطلوبة، وكانت شعبية عامة فكان الترحيب بها كبيرا وكانت ظاهريا متناغمة مع الحس العربي وما يريده المواطن العربي فكانت ظاهريا صحيحة، ولكن ما الذي حدث بعد ذلك ولماذا تغير الوضع والتوجه عند المواطن العربي بحق القناة وما تقدمه؟ ولماذا تحول الكثير من المواطنين العرب عن القناة وبرامجها... لذلك حديث آخر بعون الله.