الأفكار دائما تتشكل وتتكون عند المفكرين استجابة لأوضاع غير صحيحة وغير صحية وتحاول هذه الأفكار الوصول إلى حل لتلك الأوضاع وإيجاد وسائل وطرق لحل المشاكل في المجتمعات المختلفة وتنير الطريق لمن يأت بعد ذلك ليكون عمله أسهل وأقل وقتا وتكلفة، بمعنى ان الأفكار تكون بصورة عامة أفكارا تنويرية تنير طريق القادم وتشعل شموعا لمن يريد أن يرى الطريق بصورة أوضح وأشمل.
وبعيدا عن المقارنة أو التشبيه يمكن القول انه حين أتى الدين الإسلامي تفتحت به أمور كثيرة وأزال الكثير من الجهل وأنار بما يحمله من تعليمات وأفكار الطريق لكل من اعتنقه وفهمه وعمل به بل فعل ذلك للبشرية جمعاء وهو ما رأيناه حين أنار المسلمون أوروبا التي كانت غارقة في الظلام لقرون طويلة، واستمر هذا الدين العظيم في تأدية الرسالة للجميع بعد ذلك وأنتج خلال القرون الماضية الكثير من العلماء والمفكرين المسلمين الذين حملوا راية التنوير وساهموا في انتشال الأمة من الشوائب التي وضعها الغير في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، وأمثال هؤلاء المفكرين المستنيرين كثيرة خلال القرون الماضية وحتى يومنا هذا ويصعب على المتابع حصرهم أو تتبع سيرهم.
ديننا الإسلامي الحنيف هو دين النور والتنوير وهذا أمر لا يشكك فيه أحد ولا ينكره عاقل وهو بعيد كل البعد عن ما نراه حاليا وقبل ذلك من أمور هي بمثابة الخزعبلات التي لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد بل هي من المسيئات للدين ولكنها وصلت إليه في غفلة من الزمن وأدخلها من أخطأ في الفهم أو من أراد الكيد لهذا الدين وإلصاقه بما ليس فيه لعل وعسى أن تستمر هذه الخزعبلات والنواقص فيأتي يوم يصعب على كل مخلص انتزاعها منه أو تخليصه منها.
كذلك هناك من فهم الدين بصورة غير ما هو عليها وظن أنه يساعد الدين ولكنه على العكس من ذلك يساهم في إطفاء النور بدلا من إشعاله أو زيادة توقده، ومن ذلك رأينا ربما في العام 2001 وقبل الحرب على أفغانستان كيف عمل البعض على هدم التماثيل لأنه رآها أصناما وخلط بين التاريخ والتماثيل والأصنام المرفوضة دينيا ومزج بين أصنام يمكن أن تعبد من دون الله وهو أمر منهي عنه وبين تماثيل تروي تاريخ ولا تمس العبادة أو تعبد.
ثم رأينا مؤخرا من نادى بهدم أبوالهول في مصر وربما معه الأهرامات معتقدا أنه بذلك يخدم الدين ومختزلا هذا الدين العظيم في أحجار مركبة أو متناثرة هنا وهناك ولا يستطيع التمييز بين ما رفضه الدين عند ظهوره من أجل توجيه المسلم في اتجاه معين في عبادته وبين التاريخ المجرد الذي صنعه الإنسان قبل الرسالة والنبوة ونزول الوحي ونحمد الله أنه لم يتمكن من ذلك وأزيح أو أزاحه الشعب المصري عن سدة القرار ليعود إلى حجمه الطبيعي ولعله بذلك يسترد وعيه المفقود، ولو كان هناك العلماء المستنيرون وهم موجودون ولكن لو أتيحت الفرصة لهم لمنعوا ما أريد لذلك التاريخ ولفندوا ما قال ومنعوه من القيام بتلك الجريمة بحق التاريخ بالحجة الدينية الصحيحة.
ثم أخيرا تبين الفكر الظلامي عند البعض حين أقدموا على حرق واحدة من أهم المكتبات ربما في مصر وهي مكتبة الكاتب “محمد حسنين هيكل” بما تحمله تلك المكتبة من وثائق وكتب قديمة هي أهم بكثير من الكتب الحديثة ولكن الجهل بقيمة الشيء دفع بهم للإقدام على تلك الفعلة المرفوضة وتضييع شيء من التاريخ للانتقام فقط من مالك المكتبة وربما الانتقام من مصر والشعب المصري.
هل هناك تفكير يتسم بالظلام أكثر مما يحمله أولئك الذي لا يعرفون من الدين إلا قشوره وتوقف بهم التاريخ عند ظهور الإسلام ويريدون الإيحاء للغير بان الإسلام توقف عند ذلك الوقت ولا يصلح لكل زمان أو مكان مع أننا نعرف أنه متجدد وصالح لكل زمان ومكان... لا حول ولا قوة إلا بالله.