قبل سنوات شدنا أحد المسلسلات التاريخية في رمضان وكان عن العرب ما قبل الإسلام أو وقت ظهور الإسلام ولما لم يشتد عود المسلمين بعد، وكان هذا المسلسل لمن يتذكر يتحدث عن معركة “ذي قار” الشهيرة بين العرب والفرس التي انتصر فيها الجانب العربي رغم ما يبدو عليه من ضعف وتفرق وانهزم جيش فارس رغم شهرته وقوته وسيطرته على البلاد حتى العربية منها.
قبل تلك المعركة كان حال العرب كما يعرف من يقرأ التاريخ في حال من التشرذم والانبطاح والتبعية للأجنبي، فجزء منه في العراق وجنوبها وأجزاء من الجزيرة العربية كان يتبع الفرس ولا “يدخل خيطا في إبرة” إلا بأمر منهم أما الجزء الآخر وهم القاطنون في الشام فكانوا يتبعون الروم وحالهم معهم كحال الجزء الآخر من الفرس، باختصار لم تكن لنا كعرب حينها أية استقلالية بل كنا توابع لغيرنا وفي حال من التشرذم والفرقة والكيد لبعضنا البعض ويتحالف جزء منا مع عدونا على غيره من العرب من أجل الفتات وربما أقل من الفتات ويرتضي أن يكون ذليلا تابعا بلا كرامة، هذه الكرامة هي التي ثار الشعب العربي في السنوات الأخيرة ليستردها كما سمعنا في الشعارات التي رفعتها الثورة في تونس ومصر وسوريا واليمن.
لم يكن العرب يعرفون حينها ما يمكن أن يوحدهم وكانت عروبتهم تمر بنوع من الضعف تسببت به الزعامات القبلية ساعتها وانصياع الأفراد لتلك الزعامات حتى أتى الإسلام وزاوج بين الدين والعروبة وتبدت مفاهيم العروبة عند من يريد فهمها واستطاع الإسلام توحيد الأمة وإعادة الكرامة المفقودة عند منتسبيها ونشأت امة عربية مسلمة مستقلة تسيدت باقي الأمم وبدأت تلك الأمم تعود للأمة العربية المسلمة في شؤونها بل وتتبعها بعد أن كانت الأمة تابعة لغيرها.
أحد أسباب معركة ذي قار لمن لا يعرف – وهم قليلون – كان تسلط “كسرى أبرويز” ملك الفرس حينها ورغبته في إهانة العرب باستعباد بعض نساء العرب من ملك الحيرة ساعتها “النعمان بن المنذر” الذي رفض ذلك وآثر الموت على أن يهان العرب وتهان المرأة العربية وحدث ذلك بالفعل وسير كسرى جيش الفرس بمساعدة “بعض العرب” ممن آثروا الانصياع للفرس الأجانب على حساب أهلهم وبني عروبتهم من اجل مصالحهم وبقائهم في السلطة، إلا أن باقي قوم “العرب” من الذين رفضوا نسيان الكرامة ورأوا في أنفسهم الحق في الدفاع عن ذاتهم وكرامتهم وحدوا باقي القوم ووقفوا أمام جيش كسرى بالرغم من الفارق الكبير في “العتاد والعدة” وتمكنوا من تسجيل أول انتصار مؤرخ للعرب على الفرس الذين مثلوا أحد قطبي القوة في العالم حينها مع القطب الثاني وهي القوة الرومانية ولكن لعزة الإنسان وكرامته قيمة تسمو على أمور أخرى وقبيل هذه المعركة كانت تلك الكرامة عنوان حديث هانئ بن مسعود احد قادة ذي قار الذي حث القوم على القتال وقال فيهم “يا قوم مُهْلِكٌ مَعْذوُر خير من نَجَّاء مَعْرُور وإن الحذر لا يدفع القدر وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية واستقبال الموت خير من استدباره والطعن في الثغر خير وأكرم من الطعن في الدبر، يا قوم جدوا فما من الموت بد”.
القليل من السلاح والكثير من الكرامة استطاع أن يهزم الكثير من السلاح والقليل من الكرامة بل ان تاريخنا الذي يراد لنا أن ننساه أكثر من مليء بمثل تلك الأحداث التي تعطي الدرس لمن يريد أن يقرأ ويفهم ويتعلم أما لغير أولئك فلا قيمة ولا معنى لذلك التاريخ بل هو عندهم أساطير وقصص قديمة لا تعني شيئا وهي ليست أكثر من التمسك بالقديم الذي لا يجدي ولا ينفع “في نظرهم”... والله أعلم.