العدد 1803
السبت 21 سبتمبر 2013
سلطة أيديولوجيا الدولة زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 21 سبتمبر 2013

 

 

يقال إن ما يسير المجتمع السياسة والثقافة، لطالما كانت العقيدة سواء الدينية او الفلسفية جزءا من الثقافة وهي الطريق الذي تتبناه الشعوب للتقدم للأمام، وكلما تقدمت البشرية كانت هذه العقائد والايديولوجيات تتبدل وتحل مكانها فلسفات وعقائد اكثر تقدما وتفتحا حسب وقتها.. ولم تكن هذه التحولات تعبر بسلام بل ان الحروب كانت مفتاحا لهذا التقدم. 

ولا يمكن ان ننكر كيف ان التاريخ الانساني شهد الكثير من المجازر والحروب والانقلابات منذ بدء التاريخ الإنساني. إلا ان دخول الإنسان عتبة الحضارة شذب الكثير من حالة إنسان الكهف التي علقت به لعصور، وأصبحت الثقافات والايديولوجيات أكثر إنسانية، بل اصبحت مع تطور الحضارة الفنار الذي يدل على طريق الحرية ونبذ العبودية. فتحولت الصراعات في المدن والعوالم المتقدمة الى صراع من اجل الإنسان وحريته وحقه في الحياة، فتهذبت الفلسفات وصارت الأداة الاكثر فاعلية للخروج من نفق العبودية والاستبداد الى هواء الحريات، وكلما تقدم المجتمع تقدمت ثقافته حتى اصبحت قوانين حقوق الإنسان معيار تقدم اي مجتمع. واصبحت الايديولوجيه التي تنادي بأفضلية شريحة او طبقة اجتماعية او دينية من الماضي، فالديمقراطية وحقوق الإنسان لا تعترف إلا بالمواطنة المتساوية. 

وعندما تتطلع بعض الدول لأن تكون دولا متقدمة على الجانب الحقوقي والإنساني كالدول العربية نصطدم بفلسفات وعقائد دينية سلفية مازالت ترى ان العالم يتمحور حولها، وفلسفتها المفضلة تختصر في كلمات (اما معنا او ضدنا) وبغض النظر عن العقيدة الدينية التي تؤمن بها وتدافع عنها، فإن هذه العقيدة اصبحت السلاح الاكثر فتكا وآلة الحرب المدمرة. 

وعوضا عن التقدم للأمام والأخذ بكل ما خرجت به الحضارات المحيطة من تقدم ثقافي وحقوقي وإنساني، نراها تمعن في تكفير دعاة حقوق الإنسان والمطالبين بتطبيق قوانينها وتطالب بتدميرهم وإلغائهم وصولا في بعض الاحيان إلى تصفية بعضهم كما حدث للمناضل التونسي بلعيد. حتى اصبح الشعور العام لدى العالم المحيط شعورا بالعداء تجاه الدول العربية واعتبار شعوبها خطرا يجب مقاومته.

ورغم كل ما يحدث من مآس في العراق وسوريا ومصر بقيادة التيارات التكفيرية ومنظماتها، تظل السلطات العربية المسؤول الأول عن هذا الفعل المدمر الذي يفتت الدول عوضا عن ان يوحدها، ناهيك عن مسؤوليته في إضعاف الدولة اقتصاديا وتحويل بعض الدول العربية الى دول فاشلة مثل ليبيا. 

ان تشجيع بعض السلطات العربية لمثل هذه التنظيمات نابع من ايديولوجيات إقصائية يؤمنون بها ويرون انها الأفضل لاستقرار ونمو دولهم، ولكن العكس هو الصحيح فهذه الأيديولوجيات لا تحمل إلا الدمار والمزيد من التجهيل للشعوب العربية، فأي تنظيم شعاره الحرب والقتل وتكفير المختلف وإباحة دمه وعرضه وماله، لا يمكن ان يحمل التغيير الذي يقود للاستقرار والتقدم الإنساني، والأمثلة واضحة في أفغانستان والسودان وباكستان.

والمضحك المبكي أن تتحول بعض السلطات العربية التي طالما رفضت الايديولوجيات السياسية وحاربت تنظيماتها على مدى عقود مثل الايديولوجية القومية والشيوعية والليبرالية، نراها اليوم هي من يتبنى الايديولوجية ويدافع عنها وللأسف تلغي كل ما قامت عليه الحضارة العربية من ثقافة وعلم وتقدم إنساني.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية