كنا نستند على جدار الأرصفة تحدق فينا تطلب التفاتة وميض، نبحر ونصنع أبناءً ونرتب أبنية عملاقة بقدر أحلامنا.
نغفو على كتب أطفالنا حالمين بجامعة تستقلهم نحو الشمس وعلم يرفرف بعلم، نضع نذورنا على مزار مشروع جميل، نرفرف ابتهاجا بنمو المشروع الذي استحال إلى باخرة تقلنا من شواطئ غربتنا الكئيبة.
ودعنا الأرصفة واستبدلناها بمقاعد برلمانية كنا نحلم بنصفها، كنا بلا جوازات مرور، نتسكع طوابير على حدود الدول وإذا بنا ننعم بجوازات خاصة، كنا نستقل الطائرات هربا من وطن بعيد وإذا بنا نستقبل بصالونات كبار الضيوف، نرتجف من الوطن وأغلب أسمائنا مستعارة في المهجر خوفا من الرقيب وإذا بنا ننتقد الوزير والوزارة. ننام ببياناتنا السرية نتسوّل دولا تمدد إقاماتنا المنتهية لنهدئ شيئا يسيرا من قلقنا الكبير وإذا بنا نؤسس صحفا تجهر بالنقد يحسدنا عليها كل دول الإقليم، شهيتها بلا حدود ونقدها يهز الأسقف ولا يوفر أحدا ولا جدارا.
قرانا منهكة ممتلئة بالتجاعيد، شوارعها بلا ملامح وبعض بيوتها تشكو «الزهايمر» على شكل حوانيت تنتظر الاحتضار للعشاء الأخير في كنيسة مكتئبة.
فجأة تُزرع مكانها بيوت بمشروع البيوت الآيلة للسقوط، استقلت شوارعها من الحزن فوقعت عقدا مع التجديد بدلا عن التجاعيد.
النوادي المنتفخة، مرضا قديما، أحيلت لنواد نموذجية، المعارض تحول فجأة إلى وزير والمغربون إلى نواب وأضعف الحضوض قادة الإصلاح ليترأس كتلة نيابية أو رئاسة مجلس بلدي أو نائبا أول للبرلمان.
بنى صاحب المشروع عشًا ليتامى وأرامل متناثرة على خريطة الزمن الضائع فكان الملجأ مؤسسة ملكية تكفكف أكثر من 5000 يتيم و5000 أرملة من كل قرى ومدن بلاد دلمون.
اشتبكت جسور بجسور ومدن تفرخ مدنا وبنى تحتية تزحف على بنى تحتية أخرى في زمن قياسي متطاول.
صاحب المشروع نهم في التغيير شهيته بلا حدود، ولا يستند على أحلام مؤجلة، شرطه الوحيد الدعم وعدم اليأس والتسرع، وإبقاء العلاج لطبيب اسمه الوقت والزمن.
ورغم التشكيك الممنهج منذ انطلاق ميثاق العمل الوطني من إعلام خارجي متوّحم، إلا انه ألجمها بتفكيك قانون ومحكمة أمن الدولة وبنى على أنقاضها برلمانا ومحكمة دستورية ومجالس بلدية ومجلس مناقصات، وتقارير امن الدولة بتقارير ديوان الرقابة المالية واستبدل الرقيب ومقصه بصحف ونقابات ومؤسسات مجتمع مدني.
نسي كثيرون أو تناسوا أن صاحب التجربة لا تغويه الحشود بقدر ما يغويه الأمل مرفرفا على ناصية صرح أو إكليل على شراشف تراب.
استأثر بالحداثة مرصعة بأحجار بيوت الله فبنى جامع جدحفص وجامع سترة وجامع رأس رمان ومسجد مؤمن وهو من وضع مراسيم كربلاء على شكل أيقونة تعرض بالتلفزيون الرسمي، في ظل واقع منطقة تتفجر طائفيا ومذهبيا.
قلة من أنصف التجربة وعمرها وجنينيَة زمنها القصير، لم ينصفه إلا نذر يسير ممن استحموا بالواقعية، وراهنوا على الوقت.
المتعجلون لبسوا النظارات السوداء وركنوا للتشكيك ونسف التجربة والتنكر لكل المنجزات بما فيها منجزات الدولة البحرينية حين ولادتها ما قبل أربعين عاما، ومادامت هناك دولة هناك أخطاء والثقة تكبر مع الصبر والنقد الموضوعي وعدم اصطياد الأزمات والنفخ فيها في إعلام غربي أو دول إقليمية مازالت مسكونة بوهم أن البحرين إحدى محافظاتها.
كانت الكارثة بالهرولة نحو ما يسمى بالربيع العربي فوقع الأكثر بالفخ وكانت الكارثة شعارات نسف التجربة وهدم الدولة طوبة طوبة، ورفع شعارات تسقيط الدولة وإلغاء الحكم وشرعية النظام، فكان المنجز حزنا يطول، ووجعا يعبث بالجرح، وسقوط زهور على أسوار حديقة يريدها غناء وأرادها الغرب مقبرة وطريقا نحو فوهة الجحيم.
رجل لم تنهكه الأماكن ولم تثقله السنين نقدا يرتب بيته بقلبه ليكون النبض أعمارًا جديدة تطال الزمن الكبير، عقد ماس على جيد وطن.
يحلم بالأفق خطابا، ويدق أجراسا في خطاباته منبها من إغواء خناجر يقال عنها إنها زهور ومن شتاء يسمى تخرصا «ربيعا».