وأنا أتسلل بين أنياب الأحداث العربية، ومخالب التواصل الاجتماعي، بدأت اكتشف خيوط وعي، بدأت تنسج في عقول كثير ممن كانوا مهوسين بالربيع العربي، وعادوا اليوم فانقلبوا عليه، ووصلوا إلى قناعة - كما كررتها في مقابلتي بالاتجاه المعاكس- أن الربيع كان عبارة عن كومة قش مبطنة بتفخيخ خفي، ومتحايل على الواقعية السياسية، في استغلال واضح لجراح الناس المثقوبين بالحزن.
قلة من جازف بالتلهي بذيل ما سمي بالثورات، واكتشف أن جسدها لم يكن من جلد وعظم، وإنما عود كبريت مشّكل على هيئة أسد ينتظر الاحتراق.
ويبقى السؤال: “في ظل كل هذه التلال من الفواتير السياسة، ومناجم الإحباط، وجبال الجراح التي دفعها الناس الطيبون الغلابة في العالم العربي، على من تقع المسؤولية لسوء تقدير الموقف، ولهذا السقوط المدوي من على جدار الرومانسية الثورية؟
لا يكفي أن يعتذر قادة الحراك السياسي لما اقترفوه من جرم حشو به عقول الجمهور العربي، ثم التراجع لاحقا، والتنكر من اثم تهييجها، ثم الرقص بلبس قميص الواقعية!
الإشكالية المحزنة هي من يستطيع إعادة أرواح بريئة هيجت في الطريق الخطأ؟ من يكفكف دموع الأمهات بعد أن تحولت بحور العالم العربي دمعا ودما؟ وهل يكفي توبة السياسي من إرجاع زهرة شباب ديست بين صراع فيلة السياسيين كعشب رخيص؟ وهل تعود البصرة بعمرانها بعد وجهي البصيرة هذا إذا رجعت؟ خلال رحلاتي على هذه الكرة الأرضية الغارقة بالإنانية، والشعارات الدولية الكاذبة، التقيت شبابا عربيا، ومفكرين سقطوا هم الآخرون في مصيدة ما سمي بالربيع، بدأوا يخرجون من صدمة سحر الشعارات المغلفة، وراحوا يعيدون قراءاتهم، إنهم وقعوا في حفرة مظلمة غادرة، مغطاة بأوراق دينية وأخرى مدنية مدعومة دوليا.
لا يكفي أن تكون بعض شعارات مطالبك عادلة إذا كان المحامي مراهقا سياسيا أو داعية- بلحظة حظ زمني- يريد أن يتحول إلى تشرشل أو ديجول، فيسقطك بمستقبل مظلم ثم يترحم عليك بفاتحة، يحولها إلى استثمار سياسي، ليأخذك بضاعة تسويق برغماتي فج حيا أو ميتا.
السياسة فن الممكن ونظام مصالح، وتوازنات مرعبة ومعقدة ومتداخلة وشديدة الحساسية، تتقاطع فيها مصالح دنيوية، وكثيرا ما يرش عليها سكر مصالح، وإن كان باطنها ملحا.
عندما تفتح الجرح دون امتلاكك الدواء، يخرج من زمام يدك، ولا يمكن أن تمنع دولا عالمية متوحشة براغماتيا من التصيد واللعب بآلامك.
وهذا ما فعله الغرب في انتهازية يخرج منها رائحة عفن المصالح، مستقبلا بعد اشتداد الألم والوجع وتوحش الواقعية، لن يغفر الجمهور لمن ورطه بالمحارق السياسيه لأجل “شو” سياسي أو زعامة سياسية أو خطأ تقدير ولو بحسن نية.
أهم من كل ذلك هو شراء فرامل جديدة؛ كي لا تسقط مركبة الناس في منحدر سحيق.
والسؤال: هل سيزيد عدد من يرفعون الأجراس وقد احترقت الكنيسة بكثافة الشموع وكثرة الأدعية المتناقضة؟ المزيد من العناد والمكابرة ورمي الفرامل في الحفرة يعني مزيدا من شراء الآلام، وفتح المزيد من رفع الأسعار في مزادات الوجع اليومي.
لابد من تحسين شروط الوجع، وإعادة ترتيب اولويات الحزن؛ لكسب مزيد من المكاسب لا الخسائر، ذاك هو قميص الواقعية، معلقا على مشجب الوجع، ينتظر من يرتديه، وتلك هي قبعة السياسة تبحث عمن يعتمرها إن كان ثمة عقل، لن نجد أجمل من أوطاننا، فخبز تأكله في الوطن خير من بسكويت بين الأجانب.