تأبى الرماح إن اجتمعن تكسرا
وإذا افترقن تكسرت آحادا
هذا البيت من الشعر العربي هو من أبلغ ما قاله العرب في القوة العظيمة التي تنجم عن الاتحاد والتكتل في مقابل الضعف والهوان الذي ينجم عن الفرقة, وفي عالم اليوم تتجه جميع القوى نحو التكتل؛ لاكتساب مزيد من القوة, ففي الاقتصاد نرى الشركات الكبرى العالمية تندمج مع بعضها؛ للحصول على نصيب أكبر من الأسواق بدلا من ضياع طاقتها في منافسة بعضها البعض، وفي السياسة نرى تكتلات سياسية على غرار الاتحاد الأوروبي الذي أفرز قوة عظمى سياسيا واقتصاديا على مستوى العالم بعد أن كانت أوروبا عالقة بين قوتين عالميتين دون أن يكون لها أي قدرة على الإفلات من مدارهما.
وعالمنا العربي هو الآخر ضحية لأطماع من جهات عديدة تريد الفتك به من خارجه لاستقطاع أجزاء منه وتثبيت احتلالها لأجزاء أخرى ونهب ثرواته الغزيرة والاستيلاء عليها بأبخس الأثمان، وبين أطماع داخلية لجهات عميلة ذات أجندات انفصالية تصب في مصلحة إضعاف الكيان العربي عبر تشتيته إلى كيانات أصغر وأصغر حتى تصبح كلها مجرد أقمار صغيرة تدور في فلك القوى الإقليمية والدولية.
ولعل الخليج العربي بما حباه الله من ثروة نفطية هائلة تشكل عصب الاقتصاد العالمي هو الكعكة الأشهى التي يسيل لها لعاب كل اللاعبين الكبار في السياسة الدولية والإقليمية، ويحلم كل منهم جهارا نهارا بأن يكون اللاعب الرئيس الذي يحصد أكبر عدد من الأهداف في هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم.
ولقد عانت دول الخليج العربي ومنذ استقلالها من أطماع دول مجاورة لها، وتم اقتطاع أجزاء منها مثل الجزر الإماراتية الثلاث بقوة الاحتلال العسكري، وعانت من المغامرات الرعناء مثلما حصل من احتلال غاشم لدولة الكويت الشقيقة ومن مؤامرات تستهدف زعزعة الأمن والانقضاض على الشرعية مثلما حصل في مملكة البحرين، وأمثلة عديدة أخرى استهدفت كل دول الخليج العربي.
ورغم أن تجربة مجلس التعاون الخليجي كتجربة تكاملية على المستوى الاقتصادي والتنموي والعسكري والأمني كانت تجربة ناجحة على مقاييس عديدة، وربما كانت التجربة العربية الوحيدة التي استمرت عقودا من الزمن، إلا أن حجم التحديات والمتغيرات العالمية التي تفرض نفسها على منطقتنا اليوم أصبحت أكبر وأخطر من أن تواجه فقط بمشروع مثل مجلس التعاون، وأصبحت دعوة خادم الخرمين الشريفين جلالة الملك عبد الله بن عبدالعزيز عاهل المملكة العربية السعودية للانتقال إلى المرحلة التالية وهي الاتحاد الخليجي ضرورة إستراتيجية لامفر منها ولا بديل عنها؛ لاستمرار الاستقرار والازدهار والأمن في منطقة الخليج العربي، والدرع التي تقدر على صد سهام العدوان التي ما انفكت تنهمر على دول الخليج من نواحٍ عدة. ولبى عاهل البلاد المفدى جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه هذه الدعوة وأعلن في خطابه السامي بمناسبة العيد الوطني لمملكة البحرين أن المملكة على استعداد للدخول في الاتحاد في التو والساعة. إن تجربة الوحدة لن تكون خالية من مشكلات وعقبات تواجهها في بدايتها، ولكن إرادة الشعوب والحكام ستتغلب عليها وسيكون الاتحاد الخليجي اللبنة الأولى لإعادة هيكلة العالم العالم العربي بشكل يمكنه من استغلال موارده الاقتصادية والبشرية بالشكل اللذي يخدم مصالح شعوبها ويؤمن لها العيش الكريم الذي تستحقه. فتَحية كبيرة لكل رواد مشروع الاتحاد الخليجي ودعوة صادقة لهم بالتمكن من تحقيق هذا الحلم الجميل في أسرع وقت إن شاء الله.