تصنف البحرين ومنطقة الخليج العربي عموما من ضمن الاقاليم المتطرفة حراريا وهي الاقاليم التي تكون فيها الدرجات خارجة عن المعدل المألوف سواء في الحر او البرد لفترات طويلة من السنة تجعل من الضروري تكييف الحرارة بشكل اصطناعي من خلال اجهزة التدفئة او التبريد.
وهذا التطرف الحراري يسبب مشاكل كبيرة في عملية تعديل درجات الحرارة في المباني العامة والخاصة حيث يستنزف كميات كبيرة جدا من الطاقة لتشغيل اجهزة التكييف التي تقوم بتعديل درجات الحرارة وخفضها الى مستويات تمكن قاطني المباني من العمل او السكن فيها.
وتفادت الكثير من الدول هذا الهدر في الطاقة عبر سن قوانين وقواعد للبناء تفرض نسبة محددة من العزل الحراري بما يمكن المباني من الاحتفاظ بالحرارة داخلها في الدول الباردة او حبس الحرارة خارجها في الدول الحارة.
ولكن للأسف ومع غياب ثقافة العزل الحراري كقانون ملزم ومع الدعم الحكومي لاسعار الطاقة التي تجعلها رخيصة جدا مقارنة بدول اخرى فإن البناء نادرا ما يكون معزولا حراريا ويقتصر حاليا بحسب القانون على المباني التي يزيد ارتفاعها عن اربع طوابق. بينما يتم تشييد جميع البيوت والمباني الاخرى باستخدام طابوق عادي لا يؤمن ادنى نسبة من العزل الحراري للمباني.
ان محاولة تبريد مبنى بدون عزل حراري يمنع تسرب الحرارة اليه من الخارج يشبه محاولة النفخ على قدر يغلي وهو لا يزال على النار فالمنطق يقتضي ابعاده عن النار اولا ثم محاولة تبريده ثانيا وهو ما يحصل في المباني غير المعزولة حيث تكون عملية التبريد عبارة عن صراع مستمر بين المكيف الذي يبرد من الداخل والجو الذي يسخن المنزل من الخارج وحالما يتم اطفاء المكيف ولو للحظات فان حرارة الخارج تندفع الى الداخل كالسيل عبر الجدران.
ولو احتسبنا قيمة الدعم الحكومي للطاقة فاننا سنجد ان ملايين الدنانير سنويا تتبخر في الهواء بسبب عدم وجود عزل حراري لغالبية المباني في البحرين وحتى تلك المعزولة منها فإن عددا كبيرا منها لم يتم عزله بشكل علمي واكتفى من بناها باستعمال الطابوق العازل مثلا بينما النوافذ من الزجاج العادي وبالتالي فان ما تمنعه الجدران تسربه النوافذ.
ان مسألة العزل الحراري يمكن في حالة التوجه لها بجدية توفير مبالغ طائلة على الدولة من جانبين الاول تخفيض فاتورة الدعم على الطاقة والثاني خفض استثمارات الدولة في انشاء مصانع جديدة لانتاج الكهرباء والتي تكلف المليارات مع الاخذ بالنظر التوسع العمراني والسكاني لمملكة البحرين سنويا.
كما ان مسألة العزل الحراري لها جوانبها البيئية ايضا حيث ان تقليل استهلاك الطاقة سيقلل من الانبعاثات الغازية والحرارية لمحطات توليد الطاقة اولا ويقلل من نسبة غاز الفريون الذي يتسرب من المكيفات بسبب تشغيلها المتواصل دون وقفة طوال اشهر الصيف.
حاليا إن مسألة العزل الحراري منحصرة في جهة واحدة هي ادارة ترشيد استهلاك الطاقة في الهيئة العامة للكهرباء والماء بينما الموضوع يتطلب مشاركة فاعلة من عدة جهات حكومية ذات علاقة مباشرة بهذا الملف ومنها البيئة التي يجب ان تضع معايير محددة لما يسمى بالمباني الخضراء او الصديقة للبيئة وكذلك وزارة الصناعة التي يجب ان تضع خطة لاستبدال خطوط انتاج الطابوق العادي في المصانع بالطابوق العازل للحرارة ووزارتا الاسكان والاشغال اللتان يجب ان تطبقا العزل الحراري في جميع مبانيها السكنية والمرافق العامة والاعلام الذي يجب ان يقوم بتوعية المواطنين بأهمية وضرورة العزل الحراري للمباني.
والمختصر من كل ما تقدم ان العزل الحراري وتوفير استهلاك الطاقة لم يعد من الكماليات بل من الضروريات الملحة التي يمكنها ان تؤثر سلبا او ايجابا على عموم الاقتصاد الوطني ونتمنى ان نراه مطبقا في المباني الجديدة وحتى القديمة منها حيث يمكن اضافة طبقة عازلة على الجدران الخارجية بكل سهولة.
نتمنى ان نرى خطوات جادة تحفظ الطاقة والبيئة والصحة العامة في نفس الوقت من خلال التطبيق الصحيح للعزل الحراري في البحرين.