رغم تقادم السنين لا تزال صورة الرجل محفورة في الذاكرة كالوشم. انه بين قلائل ممن قهروا الاعاقة البصرية باجتراح المستحيل بالاعتماد الكليّ على الذات دون انتظار أية مساعدة من أحد. وهو ما يبرهن بالدليل العمليّ أنّ هذه الفئة بشرٌ مثلنا لكنّ المحزن هو النظرة التي تسكن الأغلبية بأنهم كائنات هشة وعاجزة بل قاصرة تستجدي العطف والشفقة من الأصحاء.
في إحدى حلقات البرنامج التلفزيوني الشهير “arab got talant” المقتبس من برنامج غربيّ يحمل ذات الاسم كانت هناك موهبة مثيرة للانتباه لرجل ممن ينتمون للفئة المتعارف عليها بالأقزام. الذي ادهش المشاهدين أنّ الرجل متزوج من الفئة ذاتها ممن تشبهه في الحجم. أما المهنة التي احترفها بجرأة تدعو الى الاعجاب أنه احترف مهنة “مهرّج” اي ادخال الفرح والبهجة الى قلوب الآخرين. واختار المانيا كمقر لاقامته. وحول سبب اختياره لهذه الدولة بالتحديد أجاب: لأنّ الشعب في هذا البلد لا ينظر الى لونك أو طولك أو شكلك بل في كونك بشرا كالآخرين تماماً.
هذا الرجل ليس هو الاستثناء بين اعداد كبيرة من ذوي الاحتياجات الخاصة ممن تغلبوا على اعاقتهم بانتهاج الفرح وسيلة للعمل. إنّ هذه النماذج الرائعة من البشر يقدمون للأسوياء من الناس طاقات من البهجة بدلاً من ان يتسولونها وهنا تكمن المفارقة. اعداد ذوي الاحتياجات الخاصة على المستوى العالمي تقدّر بمليار انسان. ويروى أنّ نبيّ الله موسى وكليمه كان يتعثر بالكلام فكان يدعو ربه “ربّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدةً من لسانيّ يفقهوا قوليّ” الاعاقة لم تكن حاجزاً أمام العظماء من تحقيق الانجازات الكبيرة فالقائد العربيّ موسى بن نصير فتح بلاد الاندلس رغم اصابته بالعرج. وعند الاشارة الى هذه الفئة من منّا لا تسترجع مخيلته الشاعر أبوالعلاء المعرّي رهين المحبسين من العصر القديم وعميد الادب العربيّ طه حسين من العصر الحديث الذي قال فيه الشاعر نزار قباني ذات مرة “ارم نظارتيك ما أنت أعمى.. إنما نحن جوقة العميان آه يا سيدي الذي جعل الليل نهاراً والأرض كالمهرجان”. ويمكن الإيماء الى العشرات من العظماء ممن خلدهم التاريخ شاهدا على منجزاتهم.
لابدّ من تغيير النظرة المجحفة والظالمة تجاه المعاق بل الأجدر بالملاحظة ما استقر في أذهان البعض أنّ المعاق هو ذاك العاجز أو المختلف عن الاسوياء من البشر وأن تحل بدلاً منها انّ المعاق هو من تشوهت ذاته بالعادات السيئة كالنفاق والكذب والظلم. وغيرها من آفات تحمل للمجتمع الامراض الاجتماعية وتعيقه عن بلوغ الاهداف.
واليوم مع التقدم العلمي والتكنولوجي المتسارع فقد اصبح بإمكان الكثيرين من ذوي الاحتياجات الخاصة قراءة الكتب باختلاف انواعها مما مكنهم من استيعاب علوم العصر وثقافاته بل الأدهى هو انّ هؤلاء اصبحوا يفوقون الاصحاء علماً وثقافة بمراحل ودرجات.
كنت أتمنى ان تحظى هذه الفئة باهتمام أكبر ورعاية من المسؤولين وبالأخص ذوي المواهب المتميزة منهم. باستثمار طاقاتهم الايجابية. ليس تقليلاً من دور وزارة التربية والتعليم التي تولي هذه الفئة رعاية خاصة الاّ اننا نتمنى اعداد البرامج التعليمية لكل فئة منهم. كما نتمنى ايضاً التعرف على الاطفال غير العاديين من خلال ادوات تشخيص مناسبة لهم. وتوفير فرص مناسبة لتنمية قدراتهم في كل المجالات.