كانت المدرسة ولم تزل الحضن الذي يترعرع فيه الأطفال وتتفجر فيه مواهبهم الإبداعية. بعض هؤلاء استطاعوا أن ينطلقوا في آفاق الشهرة والمجد وأن يسطع نجمهم عالياً في سماء العبقرية. ولو أنّك سألت أحد هؤلاء المشاهير أين كانت البداية لأجابك على الفور دون تردد في المدرسة حيث وجدنا من يشجعنا على البحث. يقول أحد التربويين إنني زرت عدة مدارس حكومية وخاصة ووقفت على تجارب مذهلة لكيفية اكتشاف المواهب والتعامل معها. وهنا لابدّ من الإشارة الى أنّ الاعتماد على المدرسة وحدها ليس كافياً لتنمية الموهبة بل يتحتم على الأسرة أن تكون الحاضن الاول للطفل. وكم هم محظوظون أولئك الاطفال الذين وجدوا في اسرهم التشجيع والحماس لانطلاقتهم الابداعية. وعلى النقيض من هذا يمكن القول إنّ العشرات من المواهب قد وئدت في المهد لأنها لم تجد المُحفّز ولا الداعم من الجهتين البيت والمدرسة معاً.
الطفل يتمتع بخيال واسع وكثير من الآباء والأمهات فوجئوا بما يتمتع به اطفالهم من مواهب خارقة. المعلمون ايضاً اثناء ممارستهم لوظيفتهم التربوية يقعون على نماذج لنتاجات من طلبتهم لا تخطرعلى بالهم وبإبداعات تفوق أعمارهم بمراحل. السؤال الذي يخطر بذهن أي انسان اين المشكلة اذا؟ انها تكمن في انّ قلة الفرص المتاحة امام بعض المؤسسات التربوية، فلا يجد هؤلاء الأيدي التي تأخذ بهم وتحتضنهم ولا نعجب أن مواهبهم تتحطم. والمعضلة أنّ الخسارة ليست فقط في الطالب ذاته بل في ما يمكن ان ينجزه لوطنه مثل هذا المبدع في كل الأصعدة.
يؤكد الاختصاصيون في علوم الإبداع انّ الطفل قبل دخوله الى المدرسة يتمتع بنسبة إبداع تصل الى مئة في المئة ولكنّ هذه النسبة قد تنخفض الى ما دون الخمسة في المئة بعد دخوله الى اية مؤسسة تعليمية. أمّا الأسباب وراء الظاهرة فإنّها تتركز في البيئة التعليمية غير المحفزّة ولا تقتصر المسألة على تجاهل الموهبة فحسب بل إنّها تعمل على اغتيال ما لديه اذا اصطدم بعقلية غير مبالية بالتهميش والصرامة وهما أكبر عاملين لقتل الموهبة.
إنّ غياب التفكير الناقد يلعب دوراً بارزاً في دفن الكثير من الابداعات ويضاف اليه انّ فئة من المشتغلين بالتعليم لا تتيح الفرص للتلاميذ للتعبير عن آرائهم بحرية اي انّ الحوار الحر المفتوح غائب تماما مما يفوت الفرص امام المعلمين من اكتشاف طاقاتهم. وقلّة من هؤلاء المعلمين هي التي تتيح المجال امام الطلاب للتعبير عما يجول في أذهانهم.
الآباء يقفون حاجزا أمام نمو اطفالهم ذهنياً بممارسة الإكراه العقليّ ويتجلّى هذا على اكثر من مجال في حياتهم. وتكون الكارثة فادحة عندما لا يحسنون توجيههم أو بفرض أساليب لا تنسجم وميولهم النفسية. انّ بعض الاطفال يتسمون بالعناد والاصرار على مواقفهم وإزاء ما يمارسه آباؤهم من اكراه فقد يؤدي الى انحراف في سلوكهم النفسي والمدرسيّ.
وأخيراً هناك خلط شائع لدى البعض بين الإبداع والتحصيل. فالذين يحققون تفوقا دراسيا عاليا ليس بالضرورة انهم مبدعون وهذا ما يؤكده “تورانس” بأنّ تعلّم المعلومات واسترجاعها يعتبر مؤشرا غير كافٍ للإبداع. ويفسر هذه الظاهرة أنّ بعض العلماء لم تأتهم المكانة المرموقة الاّ بعد تخرجهم من التعليم”.
وفي هذا الصدد يقول اينشتاين “إنني لا أكدّس ذاكرتي بالحقائق التي استطيع أن أجدها في الموسوعات”، بل إنّ المثير للغرابة أنّ معظم المبدعين حصلوا على تقديرات متوسطة أو ضعيفة في التحصيل الدراسيّ. ولعل أغلبنا قرأ أنّ توماس اديسون مخترع المصباح الكهربائي طُرد من المدرسة بحجة انه غير قابل للتعلّم وهو الذّي أنجز ألف اختراع.