العدد 1939
الثلاثاء 04 فبراير 2014
كم تملك من الأرض؟ محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 04 فبراير 2014

لعل من أروع ما يؤثر عن عملاق الأدب الروسيّ ليو تولستوي إضافة الى رواياته الذائعة الصيت كـ “الحرب والسلام” و”أنا كرنينا” هو تركيزه على المشكلات الاجتماعية كالفقر والجانب المظلم من الروح البشرية ودفاعه المستميت عن قيم العدل والعلاقات الأسرية.
وكان حفيد هذا الكاتب الكبير قد حلّ ضيفا على البحرين قبل أيّام في مركز الشيخ ابراهيم بن محمد آل خليفة متحدّثا عن السيرة الذّاتية لجدّه ليو تولستوي البالغة الثراء. قال حفيده إنّ القرن العشرين بالنسبة لروسيا كان مؤلماً.. لانه كان يحمل مزاج تولستوي الكئيب ولكونه قضى حياته بأكملها مدافعا صلبا عن الفقراء والمعذبين والمظلومين. عالج تولستوي العديد من القضايا بيد أنّ ابرزها على الاطلاق حاجة الانسان الى الحقيقة ويلخصها في قوله إنها لا تتعدى بضعة أمتار يرقد فيها.
لم يكن تولستوي من أولئك الكتاب الذين يكتفون بالتنظير المجرد لكن يمكن تصنيفه ضمن بضعة كتاب استثنائيين ممن تطابقت أقوالهم بأفعالهم. وعلى صعيد حياته الشخصية تصرف بمنتهى التحضر والرقيّ.. يتجلّى هذا عندما وزع أرضه على الفلاحين وهرب من بيته الأنيق الدافئ وسكن كوخا حقيرا مع الفقراء المعدمين.
ونستذكر هنا واحدة من أروع قصصه التي تعالج بحث الانسان عن الحقيقة “يقول الاقطاعيّ للفلاح الطامع في ارضه سوف اعطيك ما تشاء من ارضي. تريد عشرة فدادين؟ مئة فدان؟ ألفاً؟ لك ان تنطلق من الآن جرياً في دائرة تعود بعدها الى مكانك قبل ان تغرب الشمس فتكون لك الدائرة التي رسمتها بكل ما اشتملت عليه من ارض شريطة ان تعود الى نقطة البدء قبل غروب الشمس وإذا لم تعد فقد ضاعت عليك الصفقة.
ويفكّر الفلاح الطماع في دائرة كبيرة تشتمل كل ارض الاقطاعيّ وهو مطمع يحتاج منه الى همّة وسرعة قصوى في الجري حتى يحيط بها كلّها في الساعات القليلة الباقية على الغروب. ويبدأ في الجري وكلما تقدم الوقت كلما وسع من دائرته اغترارا بقوته وطمعا في المزيد وتكون النتيجة ان تتقطع انفاسه ويسقط ميتا قبل بلوغ هدفه. ثم لا يحصل من الارض إلاّ على متر في متر يدفن فيه. الفلسفة التي تنطوي عليها القصة هي انّ حاجة الانسان الحقيقية من الارض لا تتعدى بضعة اشبار يرقد فيها رقدته الابدية. بيد أنه للأسف ينسى هذه الحقيقة ويبقى أسيراً لأهوائه وأطماعه وأوهامه.
وتبقى الاشارة الى موقف تولستوي من نبينا الاكرم محمد بن عبدالله صلّى الله عليه وآله عبر كتابه “محمد”، كان تولستوي بين قلّة من المفكرين ممن نظروا الى نبي الاسلام بموضوعية قلّ نظيرها. الكتاب موجه الى الشعب الروسيّ ويتكلم عن قضايا اجتماعية مثل الفقر والعدالة وكيف عالجها النبيّ صلى الله عليه وسلم. ما كان يريد أن يقوله تولستوي هو انّ الاسلام دين العدالة والمحبة بين الناس وهذه هي روح النبيّ. وأنه مؤسس دين عظيم يدين به أكثر من مئتي مليون مسلم (آنذاك) كما أنّه قام بعمل عظيم بهدايته لوثنيين قضوا حياتهم في الحروب وسفك الدماء فأنار أبصارهم بنور الايمان وأعلن أنّ جميع الناس متساوون أمام الله.
إنّ المفارقة المثيرة للاستغراب أنّ شهرة تولستوي في العالم الغربيّ اكبر منها في روسيا. ويرجع هذا – ربّما - الى تفكك الاتحاد السوفييتي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية