في تراثنا العربي اشتهر البهلول بوصفه ذلك الرجل البسيط في تفكيره ووضع في اكثر من رواية احداها عندما يلف رجلٌ حبلا حول رقبته ويجره كالبهيمة الى حيث يريد. ومن هنا فإنّ الصورة التي انطبعت في اذهان الجمهور انّ البهلول يسير بين الناس بنصف عقل أو بعقل ناقص وبالتالي فمن السهل الضحك عليه. ومن هنا ايضا لا غرابة ابداً ان تنطلي على شخص كالبهلول الحيل والاكاذيب. لكن السؤال ماذا عن من ميزهم الله بنعمة العقل؟ لماذا يقبل هؤلاء ان “يؤجروا” عقولهم للآخرين؟ يفعلون بهم ما يشاءون؟ ولماذا ارتضوا للآخرين وبالاخص من اصحاب المشاريع التفكير عنهم وتمرير مشاريعهم الخاصة؟.
أتذكر انّ الروائي العالمي جورج اورويل من خلال روايته الذائعة الصيت التي اختيرت كواحدة من بين افضل مئة رواية عالمية “مزرعة الحيوان” طرح سؤالاً في منتهى الاهمية مؤداه هو التالي: هل نحن الذين نحدد مصائرنا أم يقررها الآخرون عنّا؟ من قرأ هذه الرواية العميقة لا شك أنّه توقف امام قضية التفكير الجدي بالقيم والعقائد التي دعا اليها الآخرون لكن بشرط عدم الرضوخ الى المعاناة الاجتماعية والاقتصادية. المؤلف لديه قناعة وإيمان بقدرة الانسان على انه بالامكان التغلب على المصاعب بممارسة التفكير وهذا حق اصيل للفرد بالاّ يدع لكائن من كان التفكير نيابة عنه.
إنّ من اكبر عاهات الفكر التي ابتلي بها العقل العربيّ انه اوكل للبعض - بقصد أو من غيره - توّلي زمام امره وهو ليس محددا بمجال دون آخر كما هو في السياسة فهو في الاقتصاد لكن الادهى أن يتجذر في التربية ولعل الجميع على ادراك بما يسود العملية التربوية من اساليب التلقين المهترئة وما تجره من عواقب وخيمة. في ميدان التربية والتعليم لم يعد هذا النمط من التفكير متفشيا بين الطلبة وحدهم بل هو سلوك يسيطر على المعلمين. وخارج دائرة المربين فيمكن ملاحظة فئة من المفكرين والوعّاظ ونسبة كبيرة من اتباع زعماء السياسة. انك بسهولة يمكنك رصد انّ هؤلاء الاتباع مهووسون بفكر القائد وتبلغ عصبيتهم الى حدّ - منح العقل اجازة – ورفع الزعيم الى مبلغ التقديس الذي يعني انّ كل ما يقوله ويفعله صحيح مئة بالمئة وبالتالي فالواجب طاعته طاعة عمياء.
ومما يروى في هذا الصدد أنّ القائد الكردي عبدالله أوجلان قال ذات مرة لاتباعه “لقد صنعتم منيّ ثرثاراً” في اشارة لا تخطؤها العين الى انّ هؤلاء الاتباع تحولوا من فرط اعجابهم وسحرهم بشخصه الى حالة الاستلاب الفكري. وقد يبدو ارسطو بخلاف فلاسفة عصره كان “بلا اتباع” الذين يحرقون له البخور ويرفعونه الى مرتبة القديسين أمّا السبب فهو ببساطة شديدة أنه لم يلجأ الى التلقين بل انتهج اسلوب المحاورة.
التلقين أو الطاعة العمياء أحد امراض الحالة العربية الراهنة كما عبّر عنها ذات مرة الراحل الدكتور فؤاد زكريا. ويجب التفريق هنا بين الطاعة بمدلولها الايجابيّ الواعي والنقيض تماما لهذا المفهوم اي الحالة المرضية ويمكن ملاحظة صورها بالخضوع والمسايرة وفي كثير من الاحيان استسلام الفرد الى كائن مستلب وتنعدم لديه كل الامكانات بالبروز.
وبرز في العقود الاخيرة شعار “أنا متمرد اذا انا موجود” بمعنى انّ اصحاب الافكار المبدعة من مفكرين وفنانين عظام رفضوا ان يكونوا مجرد أدوات طيعة لدى الآخرين.