العدد 1820
الثلاثاء 08 أكتوبر 2013
المعلّــم ليـــس ســوبـــرمــــان محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 08 أكتوبر 2013

 لماذا يختزل الاحتفال بتكريم المعلّم في يوم واحد فقط في السنة؟ وهل يكفي هذا اليوم لتقديم الشكر لهذا الانسان نظير جهوده الجبارة؟ ألا يستحق من نذر نفسه لتنشئة الأجيال شكراً خاصّا لا يمكن مقارنته بالآخرين في كل المهن الأخرى؟ انّ الذّي يتوقف امام ما يحمله المعلمون من رسالة ناءت بحملها الجبال فانّه لابدّ ان يتصور هذا الانسان اشبه بالكائنات الضوئية التي لا تأكل ولا تشرب ولا تجوع ولا تمرض ولا تشيخ فهو كائن متفرغ للتعليم وحده.

في يوم المعلّم العالميّ نريد ان نصحح الصورة المنطبعة في اذهان الكثيرين من انّ المعلّم ليس كائنا خرافياً أو بطلا خارقاً وبالتالي فانه يتحتم الا نلقي على كاهله كل هذه المشاغل والمسؤوليات الجسيمة. ايّها السادة انّ المعلّم رجل كالآخرين من دم وأعصاب وله طاقة محددة على العمل فلماذا نحملّه اكثر من طاقته؟ كانت صورة المعلم منذ أزمان بعيدة ذلك الانسان الملائكي الذي يتمتع بالاحترام والمهابة من قبل الجميع لكنّ الصورة اليوم اصبحت معكوسة تماماً اذ يمر عليه طلابه بلا أي اهتمام او حتى نظرة احترام. وليت الامر توقف عند هذا الحد بل انّ البعض دأب على تشويه سمعته في كل حين وتحميله نتائج الانهيار الاخلاقيّ والسلوكيّ لهذا الجيل. بل من المحزن انّ المعلم تحول الى ضحية يفرغ فيها المجتمع كل عقده وانحرافاته وهزائمه النفسية.

انّ يوم الخامس من اكتوبر هو التاريخ الذي يجب ان تنهض فيه كل مؤسسات المجتمع لتقديم الشكر لهذا الانسان عرفانا وتقديرا لرسالته التي هي في الاصل مهمة الانبياء والرسل. ومنذ عهود غابرة كانت للمعلم المكانة السامقة والمبجلة. فالكسائيّ كان مربيّا ومؤدباً لابني الخليفة هارون الرشيد وهما الامين والمأمون. وفي أحد الايام وبعد انتهاء الدرس قام الامين والمأمون بتقديم نعلي المعلم له. واختلفا أيهما يقدمه له واخيرا اتفقا على ان يقدم كل واحد منهما واحدة. ورفع الخبر الى الرشيد فاستدعى الكسائي وقال له من أعز الناس؟ قال لا أعلم من اعز من أمير المؤمنين. قال بلى انّ اعز الناس من اذا نهض من مجلسه تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى يرضى كل منهما بأن يقدم واحدة. فظنّ الكسائي انّ ذلك اغضب الخليفة فاعتذر الكسائيّ. فقال له الرشيد لو منعتهما لعاتبتك فإنّ ذلك رفع قدرهما. 

ومما يروى عن زين العابدين الإمام علي بن الحسين قوله “حقُ سائسك بالعلم التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع اليه والاقبال عليه وان لا ترفع عليه صوتك ولا تجيب احداً يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب ولا تحدث في مجلسه احداً ولا تغتاب عنده احداً وان تدفع عنه اذا ذكر بسوء وان تستر عيوبه وتظهر مناقبه ولا تجالس له عدواً ولا تعادي له ولياً فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنك قصدته وتعلمت علمه لله جلّ اسمه لا للناس”.

بيد أنّ ما يجري في مؤسساتنا التربوية من استهانة بالمعلم يبعث على الحزن والاسف اذ بلغ الحال ان يتعرّض احد المربين في دولة شقيقة الى القتل! وأين؟ في محراب العلم. ويروي البعض من المعلمين انهم يتعرضون الى التهديد من قبل طلبتهم اذا لم يحصل هؤلاء على الدرجة المطلوبة للنجاح. ناهيك عما يلحق بالمعلمين من سخرية على شاشة السينما غير عابئين بما تخلفه من آثار سلبية في عقلية الاجيال.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية