العدد 1813
الثلاثاء 01 أكتوبر 2013
في ذكرى رحيل رجل عظيم محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 01 أكتوبر 2013

يصادف هذا العام الذكرى الثانية والأربعين لرحيل جمال عبدالناصر الرئيس العربيّ الذّي عرف بوصفه “نصيراً للفقراء” والزعيم الذي تصدّى للاستعمار وبنى السد العالي اضافة الى اسهاماته المشهودة والراسخة في مساندة حركات التحرر العربية للتخلّص من القوى الاستعمارية في الجزائر والعراق واليمن ومساندته للقضية الفلسطينية. المبادئ القومية التي آمن بها قبل اربعة عقود من الزمن لا تزال تلهب الملايين وتشعل جذوة النضال ضد كل اشكال الظلم والطغيان من ابناء الامة العربية من اقصاها الى اقصاها.
هذا العام يكتسب الاحتفاء بشخص عبدالناصر دلالات عديدة منها انّ الشعارات التي أطلقها اصبحت مصدر الهام للجماهير من ابناء مصر للتخلّص من الحكم الدكتاتوري.
انّ الكتابة عن عبدالناصر تحديدا تأخذ لدى البعض من انصار الزعيم الراحل نبرة الزهو والعنفوان وهذه حقيقة لا يستطيع احدٌ الجدال فيها ذلك انّ الرجل حقق انجازات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة - كما وصفه الفريق السيسي - وخدمات جليلة لدعم القضايا العربية وحتى الشعوب الافريقية في نضالها. لكننا نعتقد انه لا يكفي أن نحيي ذكرى الرجل دون ان تتحول كل الافكار التي اطلقها إلى أفعال تتجذر في تربة الواقع العربيّ.
صحيح انّ الاحتفاء بذكرى الزعيم تمنحنا جميعا سواءً المناصرين لفكره أو حتى من يختلفون معه شعوراً قومياً نحن بحاجة اليه والاحداث كشفت عن القدرات الهائلة للشعب العربيّ وهي بلا شك ايجابيات تدعو الى الفرح والتفاؤل لكننا نعتقد انه لا يفيد ان نردد الشعارات وحدها بل يجب ترسيخها في الواقع كما كان الحال في ذلك الوقت.
كانت الشعوب العربية تحلم بالقائد الذي يخلّصها من حالة الهوان التي تعيشها بعد قرون من سادية المستعمر وجشعه وغطرسته التي فاقت كل الحدود. والامنيات التي تداعب كل انسان في الوطن العربيّ أن يهب له من يخلّصه ويفك اسره وقد شاء الله ان لا يخيّب آمالها فجاء اليوم الذي اصبح فيه زعيمه من يشاركه همومه وأوجاعه وهواجسه.
ورُغم ما شاب فترة حكم عبدالناصر من اخطاء وخطايا أيضاً – بيد أنّ الموضوعية تقتضي القول انّ عبدالناصر لم يكن زعيما كلاسيكيا بل هو بتعبير شاعر عربيّ اشبه بالظاهرة الاستثنائية كالبرق والرعد ورياح الخماسين.. وعلى هذا الاساس يجب ان يُدرس. ذلك انّ الشعوب العربية على امتداد تاريخها لم تعرف زعيما تقاسم مع شعبه همومه وآلامه وشاطره افراحه واحزانه كما فعل عبدالناصر.
لقد ذهبَ الى ربّه نظيف اليد الى حدّ هو قريب من الاسطورة. وأدهشني كما أدهش الملايين من أبناء الأمة العربيّة بعد أن قامت الاجهزة الرسمية بحصر أمواله وممتلكاته وحتى في الخارج وسجلت التفاصيل انّ ممتلكات جمال عبدالناصر كالتالي: مرتبه الشهري خمسمئة جنيه وبدل التمثيل 125 جنيها ليصبح الاجمالي 625 جنيها. أمّا ثروته يوم وفاته في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1971م فكانت 3718 جنيها مصريا في حسابه ببنك مصر. وبضعة اسهم في شركات متفرقة وأغلب هذه الاسهم بقيمة جنيه واحد فقط. وكان في جيبه يوم رحيله مبلغا قدره أربعة وثمانون جنيهاً. اما الذي يثير الاستغراب في سيرة هذا الزعيم أنّه ترك الدّنيا واسرته لا تملك مسكناً خاصاً وليس لزوجته دخل خاص غير معاشها. هذه هي كل ثروة الرجل الذي حكم مصر طوال ثمانية عشر عاماً.
ولسنا بحاجة الى عقد مقارنات بين عبدالناصر وبين من خلفه على رئاسة جمهورية مصر ولو أننا فعلنا لهالنا حجم الثروات الخرافية من قصور وخزائن وأرصدة تئن منها المصارف الاجنبية. ولذا فإنّ الواجب يقتضي الترحم على عبدالناصر رحمه الله رحمة واسعة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية