العدد 1812
الإثنين 30 سبتمبر 2013
النفاق الوظيفي محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الإثنين 30 سبتمبر 2013

أشار قرآننا المجيد الى طبقة المنافقين بأنهم الذّين يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر لخبثهم وفساد طويتّهم. فهم الذّين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ولذلك أنزل فيهم “إنّ المنافقين في الدّرك الاسفل من النار” (النساء 145). من المحزن ان النفاق اصبح متغلغلا في وجدان البعض وذاكرتهم وحتى عقلهم الباطن وجذورهم ممتدة في الزمن والتاريخ، هذه الفئة من الناس استمرأت التملّق اسلوبا للوصول الى مآربها واتخذت تلميع صور المسؤولين طريقا لها ولا تستنكف من ممارسة أدوارها القذرة في كل موقع تطاله ايديهم. وقائع الحياة أكدّت انّ مصير الاغلبية منهم بائس ونهاياتهم بالغة السوء عندما تتسلم الادارات قيادات نزيهة. وهذا جزاء عادل لما اقترفته اياديهم وضمائرهم.
إنّ قوى النفاق تعيث في الارض فساداً وتخريباً ولسنا بحاجة الى التذكير بأنّ مؤسسات عديدة في مختلف القطاعات أصبحت اشبه بالملكيات الخاصة على مجموعات بعينها من هؤلاء. امّا الذي يبعث على الدّهشة والاستغراب ان لا تجد هذه الزمرة الفاسدة من يتصدّى لها ويوقفها عند حدودها نظرا لما تشكله من خطر على المنظومة المجتمعية برمتها. ولا افهم كيف يمكن السكوت على ما تقدم عليه هذه الجماعة من افعال مستهجنة رغم انّ عواقبها بالغة الضرر على الامة بأكملها؟ وكنا نتمنى ممن بيدهم القرار لو كشفوا أمرهم.
المدراء الذّين مارسوا القهر بحق فئة من موظفيهم هم من هيأوا الارضيّة لشلة النفاق ان تسرح وتمرح بل ان تتمادى بدفع الأخيرين الى تنفيذ طلباتهم الخاصة والذين هم ادرى بالطرق التي يكسبون بها قلوب مديريهم مما يندرج تحت مسمى النفاق الوظيفيّ.
استمع بحزن وألم كبيرين الى قصص الكثير من الشباب الحالمين بمستقبل واعد بالامل والطموحات الكبيرة الذين بمجرد ان تقترب من بعضهم فإنه لا يمكنك الشك بانّ مستقبلا باهرا ينتظرهم لما يحملون من طاقات لا حدود لها ولكنهم ما ان يجدوا فرصتهم في الوظيفة حتى تتحطم احلامهم على صخرة الواقع المرّ. اذ شاء ان تترصدهم فئة من المنافقين فتقلب حياتهم الى جحيم لا يطاق وباتوا حينئذ يندبون حظوظهم العاثرة لا لشيء سوى انّ الاقدار دفعت به الى طريق هذه الزمرة.
وفي ضوء ما اسلفنا اليه فإنّ السؤال هل الوصول الى الترقية والتطور لا يتمّ الاّ من خلال النفاق والتزلف لهذا المسؤول او ذاك؟ وهل بات مقدّرا على الآخرين ممن لم تتلوث ضمائرهم بآفة النفاق ان يبقوا تحت رحمة من فقدوا ضمائرهم؟ ولماذا يمارسون سلخ زملائهم بهذه الطريقة الهمجية اللاإنسانية لكي يظلوا محتفظين بالقرب من المدراء؟.
أحد الشاب اخبرني انّه رغم اخلاصه وتفانيه في اداء وظيفته الاّ انه حُرم من الحصول على حقه في الترقية التي هي من ابسط حقوقه. أما السبب الذّي يقف وراء ضياع فرصته هو المسؤول عن منحه حقه الذي فضلّ آخرين ممن يجيدون التسلق.. وفي ظلّ هذه الاوضاع هل من الجائز والمقبول نصح الشباب بالجد والاجتهاد؟ ام البحث عن وسائل يمكن من خلالها انتزاع حقوقهم؟ لا نشك أنّ هناك العشرات من القصص المشابهة الممكن الاستشهاد بها في هذا السياق وجميعها تدلل على تفشي ظاهرة النفاق وهي ظاهرة آخذة في الانتشار لأناس باعوا ضمائرهم للشيطان!.
ثمّة مقولة شائعة مفادها أننا نحنُ البشر منافقون بشكل من الاشكال.. لكنّ اكثرنا دهاءً هم اولئك الذّين يجيدون الاختفاء والتستر جيداً.. واكثرنا سلطةً من يجيدون قوانين اللعبة. وللشاعر احمد مطر قصيدة ساخرة يقول فيها:
نافق ونافق ثمّ نافق..
لا يسلم الجسد النحيل من الاذى ان لم تنافق..
لك مبدأ؟ لا تبتئس كن ثابتا لكن بمختلف المناطق.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية