لا أحد يعرف على وجه التحديد الأسباب التي تعيق إصدار القانون المختص بالمساءلة حول الاخطاء الطبية. القانون المشار اليه كان قد تقدم به عدد من النواب المنتمين لكتلة الأصالة بشأن المسؤولية الطبيّة منذ عام 2007م حيث تم رفعه للحكومة وحتى اللحظة لا يزال القانون يراوح مكانه رغم اصرار لجنة الخدمات على سرعة البت به. وتأكد أنّ وزارة الصحة وهيئة تنظيم المهن والخدمات الصحية الجهتان اللتان تعيقان اصداره!.
إن تاريخ الاخطاء الطبية ليس وليد اللحظة فمنذ سنوات بعيدة والعشرات بل المئات من المواطنين يتساقطون ضحايا للاخطاء الطبية امّا بالوفاة أو مبتلين بدواء لا قبل لهم به نتيجة للإهمال. المحزن أن لا تجد الاغلبية آذانا صاغية لشكواهم وصرخاتهم فيلوذون بالصمت والالم. الكثيرون ممن راجعوا المراكز الصحية بقصد العلاج تعرّضوا الى صنوف من الاهمال كبدتهم آلاما فوق آلامهم وكان المفترض من وزارة الصحة الاستماع الى مآسيهم لكنّهم بدلا منها قوبلوا بالتراخي وعدم المساءلة فضلا عن ايقاع الجزاءات التأديبية.
وأتذكر هنا أنني وجهتُ سؤالاً الى وكيل وزارة الصحة امين الساعاتي قبل اشهر بخصوص ما يتعرض له مراجعو مركز البديّع الصحي من تردٍ في مستوى الخدمات الصحية وخلل في بعض الاجهزة يمكن ان يفضي الى الوفاة فوعد بإجراء تحقيق لكن شيئاً لم يتحقق على صعيد الواقع حتى اليوم.
السؤال هل كان لابدّ أن نفقد طفلة كفاطمة وآخرين وتحدث الصدمة المروعة لاهاليهم وتهز الرأي العام بعنف حتى تتحرك الوزارة؟ كل الشكاوى السابقة على حادثة فاطمة كان مصيرها التجاهل التام بل إنّ النتيجة تسجل ضد مجهول وكأنّ هؤلاء المرضى لا يتعاملون مع بشر مثلهم بل مع كائنات سديمية من كواكب اخرى! انّ العواقب الممكن ان تسببها الاخطاء الطبية ليست بالضرورة تفضي الى الوفاة بيد انها قد تسبب عاهات مستديمة تعيق الانسان مدى حياته. وحينها لا يمكن الحديث عن التعويض عن الضرر، الناس بصراحة شديدة سئموا ما تزعمه الوزارة مما يسمى “لجان التحقيق” والتي لا ترمي في حقيقتها سوى أن يغض الضحايا طرفهم لفترة ثم يلفها النسيان. اذ لم يسبق أن اظهرت الوزارة اية نتيجة لشكوى تقدم بها مواطن لكننا سمعنا ان عشرات ومئات الشكاوى كان مصيرها الصمت المطبق.
الذي اشارت اليه المصادر من لجنة التحقيق المكلفة في وفاة فاطمة لم يكن مفاجئاً للكثيرين اذ انتهى التقرير بالادانة ليس للطبيبتين المشرفتين على التخدير فحسب بل ان الادانة شملت النظامين الاداري والاشرافي بوزارة الصحة وادارة مجمع السلمانية الطبيّ. كما تبيّن الغياب التام للاشراف من قبل الاستشاريين المناوبين الامر الذي تسبب في وقوع الخطأ وانقطاع التنفس ومن ثم أدى الى الوفاة.
الكارثة فادحة بكل المقاييس وأكبر مما يتخيله البعض. ولم تكن الاثار مقتصرة على اهل الطفلة وحدهم ولا المقربين منها بل مثلّت تصدّعا في جدار الثقة بين المواطن من جهة ومن أنيطت بهم أخطر مهمة على الاطلاق ومن اقسموا بكتاب الله على اداء واجباتهم المهنية والانسانية بإخلاص وتفان فاذا بهم يخونون الثقة ويتسببون بالفاجعة.
كم تمنينا لو انّ وزارة الصحة قد استجابت للقضايا والشكاوى بصورة جادة وسريعة ومنذ سنوات لا أن تقابلها بالتراخي وعدم الاكتراث والاهمال غير مدركة العواقب الوخيمة متخلية عن اهدافها ورسالتها الانسانية. الخلاصة لابدّ من الاسراع في اقرار قانون المساءلة الطبية لضمان المحافظة على ارواح الناس وسلامتهم. ولكي يتوخى من يمارس هذه المهنة الانسانية اقصى درجات الحرص وبذل اقصى الجهود تجاه المرضى والمحتاجين للعلاج. كما يجب على وزارة الصحة التأكد من توفر الكفاءة لمن تتعاقد معهم لممارسة مهنة الطب.