العدد 1951
الأحد 16 فبراير 2014
تجاوز الإشارة الحمراء هدى هزيم
هدى هزيم
الناس
الأحد 16 فبراير 2014

كثرة الحوادث المرورية الناتجة عن تجاوز الإشارة الحمراء أمر يبعث على الأسى، ويتطلب وقفة جادة ودراسة مستفيضة من الجهات المختصة؛ لوضع حد لهذه المأساة المتسببة في هدر أرواح الناس أو الإصابة بإعاقات مستديمة. بكل أسف هذا ما يحدث اليوم في شوارع البحرين وأصبح سلوكا عاديا. مؤخراً ناقش مجلس الشوى “قانون المرور”، وأقروّا عقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن مئة دينار ولا تجاوز خمسمئة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين في حال تجاوز الإشارة الحمراء. وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على ثلاثة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا نتج عن التجاوز للإشارة حادث أدى إلى إحداث إصابة بالأشخاص أو تلفيات بالممتلكات العامة أو الخاصة، وتضاعف العقوبة في حالة الوفاة.
شخصياً أرى أن العقوبة غير كافية مقارنة بالجرم المرتكب، وهي فعلا جريمة؛ لأنها في جميع الأحوال إما ستؤدي إلى حالات وفاة أو إصابات بليغة وفي أغلب الأحيان الاثنان، يتسبب بها شخص مستهتر بالقوانين أو تحت تأثير المخدرات والسكر. واقترح زيادة الغرامة المالية في حديها الأدنى والأقصى، وأيضا زيادة مدة الحبس بحيث لا تقل عن ستة شهور في حال وقوع الإصابات، وفي حال حدوث الوفاة تصل مدة الحبس إلى سنتين. فالبعض ينظر ويحكم على العقوبة بحد ذاتها دون الأخذ في الاعتبار العواقب المأساوية الناتجة عن الحادث. بيد أن القول الفصل في هذا يرجع إلى رأي الاستشاريين وخبرات وتجارب الدول المتقدمة. وأتفق مع القانون الجديد في عقوبة استخدام الهاتف النقال أثناء القيادة والتي يصل الحد الأقصى للغرامة فيها إلى 500 دينار، إضافة إلى الحبس لمدّة تصل إلى 6 أشهر. واقترح اضافة عقوبة سحب رخصة السياقة مدة لا تقل عن ثلاثة شهور وتصل إلى عامين في الحوادث المتسببة بالوفاة. الأرقام المخيفة التي كشفتها الإحصاءات الأخيرة لإدارة المرور، تبين حالة الاستهتار بحياة الآخرين والقانون، وتلك ثقافة جديدة وغير معهودة في البحرين، والنتيجة وقوع حوادث مميتة. وتؤكد الأرقام وقوع حادث واحد كل 5 دقائق، 11 % منها بسبب تجاوز الإشارة الحمراء، وأن كل قتيل في حوادث المرور يعادله 30.98 شخصاً مصاباً. كما تبين الأرقام أن 2.28 % من مجموع حوادث الإصابات وقعت بسبب السكر أثناء السياقة و8.55 % بسبب السرعة. المؤسف حقا أن ضحايا الحوادث أغلبهم من الشباب والأطفال، حيث إن  57.6 % من السواق المصابين أعمارهم ما بين 20 إلى 35 سنة، و26.63 % من المشاة المصابين أعمارهم تقل عن 10 سنوات. وأما المتورطون في الحوادث، فإن الذكور من السواق أصحاب الخطأ تبلغ نسبتهم 81.4 % فيما شكلت الإناث 17.1 %. والنسبة الفارقة بين الذكور والإناث، قد تؤكد جانبا معروفا في السياقة، بالرغم من براعة الذكور واتقانهم لفن السياقة والتحكم في القيادة، إلا أن جانب الخوف والحذر في الإناث يعتبر إيجابيا في تقليل نسبة ارتكابهم للحوادث الخطرة. ولعل تلك الحقائق والوقائع المؤلمة تستدعي وقفة ثانية واستنفار كل الطاقات الفاعلة بالجهات المختصة؛ لمواجهة هذه الظاهرة الغريبة عن مجتمعنا وعاداتنا وأخلاقياتنا. نحتاج إلى حملات توعية لاحترام القانون والسياقة بمسؤولية وعدم الاستهتار بأرواح الآخرين، ونشر مفاهيم وثقافة “أخلاقيات السياقة”، على أن تكون حملات مستمرة وليست موسمية، وبصراحة إدارة المرور غير مقصرة، ولكن الحاجة ماسة إلى توسعة هذه الحملات بالشراكة مع جميع الجامعات والمدارس والأندية وفي الاحتفالات والمناسبات الشعبية. كما نطالب بنشر تلك المفاهيم والأخلاقيات ضمن المناهج الدراسية بدءا من مرحلة الروضة وحتى الثانوية العامة. الأطفال ممن تقل أعمارهم عن عشر سنوات في أمسّ الحاجة إلى حملات توعيهم بمخاطر الطريق. ولا ننسى الحوادث المتكررة والمؤسفة لأطفال ماتوا بسبب عبورهم الخاطئ أو تواجدهم في أماكن خاطئة في الطريق أو بالقرب من المركبات. ولا يخفى على أحد دور أولياء الأمور في التوعية والرقابة.
تطبيق القانون على الجميع دون استثناءات وتكثيف الدوريات وأجهزة الرقابة على السرعة والإشارات الضوئية يلعب دورا مهما ومفصليا في تقليل نسبة الحوادث. والأهم من ذلك توظيف كل الإمكانات لنشر ثقافة احترام القانون والآخرين في الطرق العامة وأثناء السياقة.
ومن الأمور الرادعة والمؤثرة والتي تبقى في ذاكرة الأطفال والشباب، مشاهدة الأفلام الحقيقية والمحاكاة للواقع، والتي تبين الآثار المؤلمة للحوادث المرورية مع بيان مسبباتها. وأقترح إنتاج أفلام مصورة لضحايا الحوادث المصابين بإعاقات مستديمة يوجهون خلالها رسائل للشباب، ويتحدثون عن معاناتهم ومشاعر الحسرة والندم التي يعيشونها نتيجة استهتارهم ولكن بعد فوات الأوان. قسم الطوارئ بمجمع السلمانية يؤكد تلك الحقيقة، حيث يستقبل حالات خطرة تعود لحوادث بليغة ناتجة عن مخالفات قطع الإشارة الضوئية والسرعة واستخدام الهاتف أثناء القيادة. هؤلاء الضحايا أصبحوا بين عيشة وضحاها طريحي الفراش ومعاقين مدى الحياة. إنتاج أفلام توعوية مؤثرة تحكي تجارب الضحايا والثمن الغالي الذي دفعوا في لحظة استهتار ولا وعي، من شأنه أن يؤتي بثمار ونتائج إيجابية في الجانب التوعوي مع أهمية استمراريتها وتنوعها وإخراجها بأسلوب جذاب ومؤثر. ونرجو من القائمين على هيئة شؤون الإعلام المبادرة والتعاون مع إدارة المرور لإنتاج هذه الأفلام التوعوية.
الوضع الراهن والمّلح يتطلب معالجة الخلل البيّن في الوعي والثقافة العامة، والمعالجة مستحيلة من قِبَل جهة واحدة، وإنما بالشراكة المجتمعية، وعلى الوزارات المختصة كالداخلية والتربية والتعليم والإعلام المبادرة لتفعيل تلك الشراكة، والتعاون لتنظيم الحملات الإعلامية والتوعوية ومد جسور التواصل مع الشركات والبنوك الوطنية لدعم الحملات وتحقيق أهدافها المنشودة. ولا يمكن إغفال دور التوعية في البيت والمدرسة وبأسلوب يجمع بين الترهيب والترغيب.
قانون المرور الجديد أثار جدلا واسعا، وفي نفس الوقت بث ارتياحا كبيرا بين العامة خصوصا المتضررين من الحوادث الخطرة. ورغم تعدد الآراء والاختلافات، مطلوب تحرك تشريعي جاد وسريع في المناقشة وإقرار القانون ودعم حكومي للإسراع في إصداره وتطبيقه. الوضع لا يحتمل التأخير وتبييت القانون في أدراج مجلسي الشورى والنواب لسنوات كما هو الحال مع بقية القوانين. لابد من إعطاء الأهمية والأولوية للقوانين المهمة والمصيرية في حياة المواطنين. تجارب الدول المتقدمة أثبتت نجاح أسلوب تشديد القوانين المرورية وتطبيقها وهو ما نحتاجه بالفعل في البحرين.


 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .