العدد 1944
الأحد 09 فبراير 2014
الحج والعمرة ومتاعب الكاميرا
ستة على ستة
الأحد 09 فبراير 2014

كثير من المسلمين ينتظرون السنين ويقطعون آلاف الأميال ويدفعون الكثير من الأموال من أجل زيارة بيت الله الحرام بمكة المكرمة حجاجًا أو معتمرين، شوقًا لهذا البيت ورغبة في أداء هذه المناسك وأملاً في نيل الثواب الجزيل الذي وعد به رب العالمين لمن حج البيت أو اعتمر.
والأفواج المتدفقة على بيت الله الحرام في الليل والنهار وفي كل الأيام تعكس تمسكًا شديدًا وحبًا عميقًا لأداء الحج والعمرة رغم المصاعب التي تعترض الكثيرين من الراغبين وتحول في بعض الأحيان دون بلوغ المقاصد ونيل الأماني في أداء الحج أو العمرة.
ولهذا، يحرص كل من وفقهم واختارهم الله تعالى لزيارة بيته على استغلال الفرصة واستثمار المنحة التي أعطيت له أفضل استغلال ويستعد لها أتم الاستعداد كي يحصل على عظيم الأجر وواسع الثواب والعودة من هذا المكان الطاهر المقدس بلباس جديد هو لباس التقوى والاستقامة.
إلا أننا - للأسف الشديد - بتنا أمام ظاهرة “معكرة” لصفو هذه المناسك، بل وتضفي ظلالا من الشك على مدى نقاء وصفاء النية وربما تدخل صاحبها في مخاطر كبيرة دون أن يدري، ونقصد بذلك حرص الكثيرين على تسجيل جميع تحركاتهم وخطواتهم ومناسكهم من خلال التصوير ونشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي لإثارة النقاش والرأي حولها بين الزملاء والأصدقاء.
ففي أحد المشاهد، انتفض رجل من مكانه أثناء خطبة الجمعة لكي يقوم بتصوير المصلين والمسجد دون أن يدري أنه بذلك ربما يكون قد حرم ثواب صلاة الجمعة التي قد لا تأتيه مرة أخرى في المسجد الحرام بمكة المكرمة.
وفي مشهد ثان، آثر رجل القيام بعملية التصوير على أداء ركعتي سنة العشاء وحرم هذا الفضل بسبب شغفه “غير المفيد” لتصوير منظر المسجد الحرام رغم أن هذه اللحظات مستحب فيها الدعاء لأنه أقرب للقبول قبل إقامة الصلاة.
وفي منظر ثالث، إحدى الفتيات التي استعدت جيدًا للتصوير وإذا بها تقف في منتصف الطريق المزدحم جدا لتبحث عن أخرى تقوم بتصويرها فتتسبب في إضافة مزيد من أسباب التعطيل للطريق.
إن مثل هذه التصرفات وغيرها والتي أضحت سلوكًا مألوفًا في بيت الله الحرام وغيره من الأماكن المقدسة تفرض وبشدة ضرورة مواجهتها والحد منها ووضع ضوابط لها وتقييدها لجملة من الأسباب، يأتي في مقدمتها أن الحج أو العمرة رحلة إيمانية تقوم على “التجرد” من جميع مظاهر الدنيا، ويكفينا في هذا السياق دليلا ملابس الإحرام ذاتها والتي تذكر بالموت، بل إن الحاج والمعتمر هو بنفسه الذي يحضر لهذه الملابس ويقوم بارتدائها في رسالة بليغة تقول له “ها أنت اليوم تختار بإرادتك الحرة أن تنقطع عن هذه الدنيا لأيام قليلة، فاجعل من هذه الأيام عونًا وزادًا ليوم تنقطع عن الدنيا دون إرادتك”.
ولهذا، فإن “التعلق” بالتصوير والقيام بعملية الإرسال والاستقبال والتعليق يناقض هذا التجرد ويوقع في مخالفات شرعية، فضلاً عن أنه يؤدي لضياع الكثير من الوقت في أمور بعيدة عن أجواء رحلة إيمانية في مكان هو الأعظم في تحصيل الأجر والثواب وكل لحظة فيه باهظة الثمن.
وقد يفتح هذا السلوك بابًا لدخول الرياء إلى الحاج أو المعتمر دون أن يدري، فهذا قد يقوم بحلق الشعر كنوع من الظهور بمظهر جديد بين الأصدقاء، وآخر ربما يخشى من الحلق خوفًا على مظهره وحرصا على هندامه بين الناس، وثالث يروج لصوره بملابس الإحرام ليرى ردود الفعل تجاهها، ورابع يدعو ويبتهل أمام الكاميرا، وجميعها وغيرها سلوكيات قد تخالف النية الخالصة لله تعالى.
فضلاً عن ذلك، يتسبب ولع الكثيرين بعملية التصوير في إعاقة انسياب حركة الطواف بالبيت الحرام وغيره من الأماكن المقدسة التي تشهد ازدحامًا شديدًا، وهو أمر يتنافى مع حرص الإسلام على سلامة الأبدان وعدم المزاحمة حتى لو كان ذلك من أجل تقبيل الحجر الأسود أو استلامه.
من هنا، فإن الأمر بات بحاجة لمواجهة من قبل العلماء الأجلاء والمشايخ الأفاضل خصوصا القائمين على حملات الحج والعمرة؛ ليقوموا بتوعية الناس بضوابط وحدود ممارسة التصوير خلال أداء مناسك الحج والعمرة حتى لا تتسبب المظاهر في إفساد المشاعر وضياع أجر وثواب، كان في متناول الحاج أو المعتمر وقد لا يكون في متناوله مرة أخرى.
ويمكن لوسائل الإعلام المختلفة القيام بدور مهم في هذا السياق، من حيث تسليط الأضواء على هذا الموضوع والتطرق إليه من مختلف جوانبه خصوصا الشرعية، وذلك على صفحات الجرائد وفي البرامج التلفزيونية والحلقات والندوات الدينية واستضافة الفقهاء والعلماء من ذوي القبول والتأثير في الرأي العام ومن ذوي الاطلاع على مستجدات قضايا العصر وطرحها بأسلوب يتوافق معه بما يخلق القناعة الواجبة واللازمة لكل من ينوي الحج أو العمرة بما يجب وما لا يجب من القول أو الفعل.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .