يبدو أن النظام السوري بالتعاون مع حلفائه في الإجرام والطغيان وخصوصا العراق وإيران قد نجحوا في تصدير الرعب إلى الغرب مما أطلقوا عليه “الإرهاب الإسلامي” بعد هذا الصعود الخطير والمدهش لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام “داعش”، فبدأ التغيير في الإستراتيجيات والتبدل في السياسات والتي من شأنها إطالة أمد الأزمة وربما الإبقاء على رأس النظام.
فبعد أن كادت الضغوط الأميركية تصل إلى إعلان الحرب ضد نظام بشار الأسد، حدثت سلسلة من التراجعات المخيبة للآمال بدأت باتفاقية الأسلحة الكيميائية في سبتمبر 2013م، ووصلت مؤخرًا إلى قيام أجهزة استخبارات غربية بزيارة دمشق.
فقد كشفت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية في عددها الصادر يوم 16 يناير 2014 عن قيام بعض المسؤولين السابقين في أجهزة الاستخبارات الأوروبية بزيارة دمشق لإعادة التواصل مع نظام الأسد والتنسيق معه في مواجهة الجماعات الجهادية المسلحة، وأن هؤلاء المسؤولين التقوا “علي مملوك” المستشار الأمني للأسد بالرغم من وجوده على قائمة العقوبات الأوروبية.
وأشارت الصحيفة إلى زيارة مسؤول سابق في الاستخبارات البريطانية “إم أي 6” لدمشق للتداول حول سيطرة “الإسلاميين” هناك قبيل اجتماعات جنيف 2، قائلة: “إن كل المسؤولين الأوروبيين الذين زاروا دمشق نسقوا مع حكومة الأسد بخصوص مواجهة الجماعات المسلحة “الإسلامية الجهادية”.
كما صرح “فيصل مقداد” نائب وزير الخارجية السوري لهيئة الإذاعة البريطانية، قائلاً “إن بعض الدول التي كانت قد قطعت علاقاتها بسوريا تفكر حاليا في العودة، وإن كثيرا من ممثلي هذه الدول قد زاروا دمشق”.
يجسد حالة الخوف الغربي أيضًا ذلك البيان الذي أصدره البيت الأبيض قبل أسابيع قليلة ودعا فيه بعض الدول العربية إلى وقف مدّ العناصر الإسلامية “المتطرِّفة” في سوريا بالمال والسلاح.
هناك بالقطع عوامل وأسباب تدفع الغرب إلى إعادة التفكير في سياساتها تجاه الأزمة السورية منها ما يعود إلى الداخل السوري وأهمها الانقسام الحاد في فصائل المعارضة السورية، والذي يصب في صالح النظام ويجعله البديل الأنسب للغرب بعد أن فشلت المعارضة في أن تثبت جدارتها بثقة الغرب وخصوصا بعد حالة التشويه الخطيرة التي أضيفت لهذه المعارضة بعد ظهور تنظيم “داعش” والجرائم الكثيرة التي ارتكبها بحق المدنيين، فضلاً عن عدم وجود أي مؤشرات لإمكان التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة، حيث بات ذلك أمرًا صعبًا ويزداد صعوبة يوما بعد يوم في ظل تفوق النظام في الاستثمار الجيد لما لديه من أوراق ولحالة المعارضة الهشة والمنقسمة والمتطرفة والاستغلال الصحيح لما يحصل عليه من دعم من بعض القوى الخارجية، ما يجعله الطرف الأقوى في هذا الصراع والأكثر قبولا بحكم تماسكه وتنظيمه و”اعتداله” وفقًا للغرب.
وهناك عوامل أخرى تعود إلى الغرب نفسه تدفعه لإعادة حساباته تجاه الأزمة السورية وأهمها حالة “الفزع” التي تنتابه حاليا من توجه بعض الشباب للقتال في سوريا، وهو ما أظهرته صحيفة الإندبندنت البريطانية في 16 يناير 2014، حيث نقلت تحذير رئيسة الشؤون الداخلية بالاتحاد الأوروبي من أن الحكومات الأوروبية تخاطر بمزيد من الهجمات الإرهابية داخل أوطانها ما لم تعالج التهديد المتزايد من “الجماعات المتطرفة والأفراد المتعصبين”، بما في ذلك نحو 1200 من مواطني الاتحاد الأوروبي يعتقد أنهم يقاتلون في سوريا. وأشارت الصحيفة إلى أن قلق دول الاتحاد الكبير من التهديد الذي يشكله هؤلاء المقاتلون لدى عودتهم جعل بعض أجهزة الاستخبارات الأوروبية تعقد اجتماعات سرية مع مسؤولين في نظام الأسد. وقالت الصحيفة إن التحدي الذي يواجه الحكومات الأوروبية هو: أولا، كيف يمنعون الشباب من الجنسين من التوجه إلى سوريا، ثم عليهم أن يقرروا كيف يتعاملون مع المقاتلين عند عودتهم.
وتشير التقديرات الغربية إلى أن عدد المقاتلين الأجانب في سوريا (سُنّة وشيعة)، يتراوح ما بين 10 إلى 15 ألف مقاتل، وأن أغلبية المقاتلين الأجانب من السُنّة يأتون من ليبيا وتونس والسعودية، وبدرجة أقلّ من العراق والأردن والكويت ودولة الإمارات والشيشان وبعض الدول الأوروبية، في حين يقدُم المقاتلون الأجانب الشيعة من لبنان (حزب الله) والعراق وإيران وباكستان، وتتوقع هذه التقديرات أن تتضخّم هذه الأعداد في حال استمرار الصراع.
واللافت أن إيران تدرك هذا التغيير في التفكير الغربي، وبدأت على الفور في استثماره لصالحها وصالح حليفها المجرم بشار الأسد، بدليل أن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ألمح في 16 يناير 2014 في موسكو إلى أن بلاده تريد المشاركة في مؤتمر جنيف2 لكنها لن تحضر إلا إذا دعيت لذلك ودون شروط، في إشارة إلى رفض إيران - وكذلك روسيا - للشرط الذي تضعه أميركا لهذا الحضور، وهو القبول بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في مؤتمر جنيف 1 في يونيو 2012، والذي يدعو لتشكيل حكومة انتقالية في دمشق “بالاتفاق المتبادل”، حيث ترى واشنطن أن هذه الصياغة تعني رحيل بشار الأسد عن السلطة لكن روسيا وإيران ترفضان هذا التفسير.
إيران من الآن فصاعدًا ستعمل على تثبيت أركان نظام بشار الأسد؛ لأن البيئتين الإقليمية والدولية تساعدان طهران على تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي، فماذا نحن فاعلون؟