ما أصعب هذه الأيام التي نمرّ بها من بعد ما اعتقدناه هدوءاً ممهداً يعبّد الطريق لإيجاد حلول، ربما لن ترضي الجميع، ولكن من الصعب أن يدرك الجميع كل ما يتمنون، فيأخذون من واقعهم ويتركون، ويكسبون ويتنازلون، أو يركب أحد الأطراف “رأسه” ويعلنها صريحة “يا كلّه.. يا خلّه”، فلا مجال بعد ذاك لأي حل لأنه استفراد كامل بالإرادة، وهذا الاستفراد يحتاج إلى أعجوبة حتى يحدث في هذا الزمن المنفتح الدروب على جميع الثقافات. فالإجماع يأتي من المتشابهين، ويحتاج إلى قوة إقناع عالية، وقبول مطلق من الآخرين، أي استلاب القدرة على التفكير والتحليل والنقد.
ما أصعب أن يقضي المرء، وتفيض روحه إلى بارئها، وقبل أن تصل إلى عنان السماء، وعلياء مستقرها ومستودعها، تبدأ عمليات الاستثمار الساخن للموت، وكما نقول في أمثالنا الشعبية “موتٍ لك... فرجٍ لي”، وكأن الموت لدينا في المواجهات، المرفوضة أساساً، يفتح مصاريع الأبواب ومغاليقها لمن يودون المتاجرة في الدم، يتربصون المنايا أن تحيط بالبشر حتى يجددوا مكاناتهم في دوائرهم، ليتزعّموا ويقودوا ويستثيروا النفوس، و”يُعثمنوا” القمصان، ويتقصون أدواراً ما كانوا ليحلموا بها لولا الانسياق الطائفي المقيت الذي تجذّر على حين غفلة وتغافل، وتُرك هذا المسخ يرضع من أمان المجتمع، حتى غدا وحشاً كاسراً لا يمكن السيطرة عليه، أو اغتياله.
ما أصعب أن تستعاد الأزمة البحرينية في أسوأ لحظاتها وأبشعها حين يجري تحزيب مكوّني المجتمع كلٌّ تحت شعاراته الخاصة المنفصلة عن الآخر، والموضوع واحد، والأفهام مختلفة ومتناقضة وغير قابلة لأن تصبّ في جدول واحد. في الحقول يجري فتح قنوات بين الجداول ليلتقي الماء على أمر قد قُدر... جداولنا نحن أصلب من حجر الصوّان فقد انبنت وتصلّبت في مبعدة عن بعضها.
ما أصعب أن يقتل إنسان، مواطنا ً كان أم غير مواطن، مدنياً كان أم عسكرياً، واعياً لما يفعل أم غير واع، وكأنه لا يكفي أن يكون إنساناً وحسب؛ وتجري من بعدها عملية تشفّي وإطلاق تسميات غير لائقة البتة، حيث نسينا حرمة الموت، ووقار الحدث، وهيبة الموقف، ونمسح كل إرثنا الديني والمجتمعي والإنساني لننتصر فقط للشعارات التي ننطلق منها، حتى لو كنا وقوداً لنار تستعر، أو سُلّما لآخرين يعتلونه ويتربعوا على رقاب البشر. فقد نجح البعض نجاحاً مطلقاً في إظهار أدنى درجات الإنسانية حين لا يجد رادعاً يردعه، وعلى العكس، حينما يجري تشجيعه ودفعه وتزيين ما يفعل.
ما أصعب أن تلتفت اليوم حولك لتبحث عن أولئك الذين تظن فيهم خيراً، وتتصاغر أمامهم وهم كانوا في أوقات الرخاء ينمقون الأحاديث، ويفلسفون الأحداث، ويربطون على قلبك بأنواع الحكمة والآمال، ولكنك اليوم حينما تطلبهم في الملمات، وتفتش عنهم في الأوقات الصعبة، وفي المواقف الحرجة، وفي لحظات اختبار العقل الحقيقية، وفي المسالك الشائكة، وحينما تسمع للحديد اصطكاكاً مرعباً، وللحناجر دوياً تهتز له أقفاص الصدور، فتجدهم يسيرون في زمرة الجموع، أعينهم تدور في محاجرها وقد بُهتوا واستجابوا لـ “سيكولوجية الجماهير” كما أسماها غوستاف لوبون، وتبين أن كل ما كان منهم لم يكن ليصلح إلا لساعات الرخاء، وأزمان الراحة والدعة، لأنه تراجع وانكشف عند أول اختبار.. الأصعب من هذا أن ترى هذا الصنف من مثقفي البشر، قد طوّع علمه وثقافته وفلسفته ومعارفه ليقود فصيل التوتير، وميليشيا الطائفة، وجموع الفوضى.
ما أصعب أن تتحمل ألم متابعة أجواء بلدك متلبدة بالتوتر وهدير أصوات ناعقة بكل ما يشين تاريخك وامتداداتك العريضة، ويمسح كل مكتسباتك، على تواضعها أو عظمتها، ويحيلها إلى “تراث”، وتستغرب: من أي ضلع نبت هذا الذي تراه اليوم يعيث خراباً وفساداً وتدميراً وقتلاً فعلياً أو تحريضاً على القتل والتخريب والفتك والتنكيل، وينشر الرعب، ويستهين أيما استهانة بكل مقدس، ولا أقدس من النفس البشرية، ولا أكبر حرمة عند الله منها... كل ذلك وأنت مشلول لا تقدر على فعل شيء، عاجزٌ لا يمكنك تحريك ساكن، ولا تسكين متحرك، لا تطعن في الحق، ولا تسد عن طعنة غادرة تصيب مفاصل مرتكزاتك في مقتل.
ما أصعب أن يُختصر الوطن في “شارعين”، وما أقبح هذا التعبير، وكل شارع يرى الوطن من ثقب مطالبه، ويغيب عنه أن الرؤية الحقيقة تأتي حين يزال هذا الستار بثقبه، وينهار الجدار الذي ظل يحجب الرؤية عن إمكانات وجماليات وراءه لم يقوَ أي شارع، أو يتجاسر على هدم الفاصل الطائفي الذي تتجلى مصالح واضحة اليوم من إعلائه وتمتينه، وتكمن مصالح بقاء جدار الفصل الطائفي العنصري لدى المستنفعين اليوم من بقائه لأنهم به يحققون المكاسب المختلفة، والذين هم رؤوس الفتنة والنافخون فيها.
ما أصعب أن ترى الدروس تتكرر محلياً وعالمياً ولا أحد يتعلم، والعظات تترى ولا من متعظ، والتجارب تتوالى ولا من مستجيب، والأجراس تقرع ولا من مستيقظ من سباته منتبه من غفلته، وكأننا نعيد التاريخ من أوله بعد أن أضعنا دفاتره وكتبه، ولم تعد ذاكرتنا تختزن الهاوية التي يمكن أن نتردى إليها فيما لو بقي الوضع على ما هو عليه، أو لا قدّر الله تطور إلى ما هو أكثر سوءاً بسبب حماقات لا يرتكبها الصغار، فسنعذرهم، ولكن يقودها من اشتعلت رؤوسهم شيباً وإن تحايلوا عليه بالأصباغ، ووهن العظم منهم وإن تقووا عليه بتحريك أجنادهم.
وما أصعب أن تكون غريباً في وطنك، وحيداً في الساحات الموحشة، صوتك ضعيف وسط هدير من رفعوا على بعضهم مجاديف زورقهم الواحد، وتركوه تتلاعب فيه أمواج متلاطمة، بينما ترى بحسرة زوارق الغير تشق طريقها بثبات وتسارع، مليئة بخيرات البحر، وسفينتك لا “يشق حُباب الماء حيزومها”، بل تنتظر أن تضع الطائفية أوزارها... وأنى يكون لها ذلك!