ليعذرنا قادة الجمعيات السياسية المشاركة في الحوار الوطني الثالث، أو تحت أي رقم كان، ولتعذرنا الحكومة ممثلة في أطرافها المشاركة في الحوار، وليعذرنا المراقبون، فنحن “زبائن” هذا الحوار الذي لا يجري الالتفات له. نحن الأشخاص الاعتياديون، الذين قد ننتمي قلباً لا قالباً لأيٍّ من الأطراف. نحن الذين لا نظهر على شاشات التلفاز، ولا عند المصافحة نلبس القفاز، ولسنا من الذين يطنطنون بالتصريحات الباردة والنارية، ولسنا من ذوي الأهواء اليمينية أو اليسارية، نحن فقط نريد أن نفخر ببلادنا كيفما كانت، حارة، رطبة، صغيرة، “ملحة”، كالحة، لا يهم، إنها بلادنا التي ليس لنا منها بد، نحبها كما نحب أمهاتنا وإن لم يكنّ في جمال نجمات السينما وعارضات الأزياء، نكتفي بأنهن الأقرب إلى قلوبنا، والأكثر حنوّاً علينا، والأجدر بنا، ونقضي العمر لأن نكون أجدر بمحبتهن لأننا جبلنا على هذا، كما جبلنا على محبة الأوطان. قد نغضب ونتحسر ونطقطق بألسنتنا ونحن نقارن ما بيننا وبين من حولنا، ومن هم حول من حولنا، في أوضاع شتى، ولكننا – بالله أقسم – لا يتزحزح مقدار حبنا لهذا الوطن إلا إلى الأمام فقط. نحن الذين لا أهواء خاصة لنا، وليس وراءنا “جماهير”، وتعلم بعض الأطراف أن جماهيرها أوهام، وأنها لا تحتكم على ثلة من الأعضاء لا يشكلون فريق كرة قدم، أو حتى يمكن أن تخوض بهم “هوشة”، ويُشد بهم الأزر والظهر، ومع ذلك يتحدثون عن “جماهير”، وهم يتلفتون من حولهم تلفّت المأخوذ في يوم الزحام، ومع ذلك سنحترم الحق الذي تعتقدونه، فالحق ليس بالقلة أو الكثرة، هذا صحيح، لأن الحق جوهر يكفيه أن يكون كذلك حتى لو لم يقف معه أحد. ولكن لا تبالغوا كثيراً في رسم صورة مضحكة أرجوكم، فنحن “عيال القريّة” التي يعرف الأخ فيها أخاه، فيا إخوتي لا تستبدلوا الجواهر بالظواهر، ولا تسنّوا لبعضكم الخناجر، ولا تفجروا في الخصومة، سواء من المعارضة أو الموالاة أو الحكومة، لأنكم جميعاً نحن، آتون من نسيجنا، متحدّرون من أصلاب أهالينا، مشتقة أسماؤكم منّا، صبغات جلودكم هي ذاتها التي تلوّن بشرتنا، ليس لكم فضل علينا، ولا نفضل عنكم بأي شيء، نتشارك السماء ذاتها فيما بيننا، ونطأ التراب ذاته الذي يحتضننا. ليس منا من له صلة قرابة أكثر من غيره بهذا الوطن، وليس منا دخيل، فالسنوات التي تربط أجدادنا بهذا المكان ليست لها قيمة ما لم تترجم إلى واقع، وما لم يستحل إلى عمل جليل في خير البلاد والعباد.
في الحقيقة، وأقدّم الاعتذار تلو الاعتذار، ما من أحد استشارنا إن كنا نقبل بكم لتمثلوا الناس في التفاوض على مستقبل الناس، لم يعرضوا علينا أسماءكم وصوركم وأنتم باسمون واثقون مطمئنون لنقول فيكم رأينا، ومع ذلك التزمنا الصمت، وانتظرنا الفرج أولاً وثانياً وها هو ذا ثالثاً تصرّ أبوابه صريراً والأيادي تدفعه لكي ينغلق، مع تبادل بين الأطراف عن مسؤولية من يحاول إغلاقه بشكل متعمد ونهائي، ولكن بصيص الأمل لا يزال يراود اللاعبين، فما الذي عساه أن يراودنا ونحن نرى الآمال تتهاوى مرة إثر مرة، وحواراً بعد حوار. فإذا كان السياسيون مستمتعون بهذه اللعبة، وينتشون بالأدرينالين الذي بات مرتفعاً حقاً في أجساد وملفات تحت النقاش نتيجة الإثارة، فهذا لا يعني أن الشعور نفسه يخامر الجميع، ولا هذا يعني أننا معنيون بمدّ الصراعات وجزرها، وتعقّد الخلافات وحلها، وتصاعد أمواج التصريحات وانحسارها، فنحن نريد فقط أن نستقر، وأن نعود إلى متاجرنا، وتدب الحياة في جميع شوارعنا، وتنظف الحيطان من أوساخها، وتشفى الطرقات من أوشامها، وتقر أعين من فقدوا أحبابهم، وتسكن نفوس من رُوّعوا. نريد فوق الحلول السياسية حلولاً اجتماعية ونفسية أبعد من الأغاني و”النقزة” وأن الكل واحد، واللحمة الوطنية، والكثير من الكلام الذي “لا يؤكّل عيشاً”، ولا يصدُّ جيشاً، فليس النجاح في سكب الماء على الجمر، لأن الرماد جزء من موت الجمر، ولا نجاح في الموت، وإذا كان قد حدث ما حدث، وبعيداً عن حلول السياسة والتشفي وكسر العظم وغيرها، فإن الناس لديهم جروحا أعمق من تلك التي يحمل وزرها السياسيون أينما كانت ضفافهم... فالناس يلتقون ببعضهم في كل مكان، يحتاجون لأن لا يشعروا بتيارات كهربائية سلبية تحيط بهم من كل مكان لأنهم في وسط من “المختلفين” سياسياً، أو مذهبياً أو عرقياً أو دينياً، فكل هذه الاختلافات وجدت طريقاً لها ومتنفساً ما كان له أن يوجد لو كانت هناك مشاريع وطنية كبرى تذيب هذه الاختلافات، وتقلل من احتقان الدماء في الوجوه، والحشرجات في الحناجر، فما عاد الناس يطيقون صبراً على أوضاع معوجّة بينما أنتم تتلاعبون في الوقت، وتشترون التأجيل، وكلٌّ ينتظر من الآخر أن ينهار وتخور قواه حتى يُكتب له النصر وحده، ويرفع بيارق النصر على حساب الأعصاب المعطوبة.. نحتاج مراهم لم يفكر فيها من فتح الجرح ومن عمّقه ومن آزره، فقد كان يفكر في تلك اللحظة كيف ينهي الصراع بالشكل الهمجي المعتاد ولتحترق روما... مراهم لا تباع ولا تشترى، ولكنها قادرة على أن تشفي الغليل، وأنّى له الشفاء!
أيها المذكورون أعلاه، إنكم والله أعز علينا من أن نثقل عليكم القول، أو أن نزيد فوق حملكم أحمالاً، ولكنكم اخترتم التصدي لهذا العمل الجليل، وكلكم شركاء فيه، وكلكم تتحملون ما حدث بداية، وإنْ بتفاوت، فحان وقت التكفير عن الأخطاء مهما صغرت، وعن الزلات مهما انفلتت منكم من دون إرادة، فما لم تدركوا بدايته، أحسنوا خاتمته على الأقل، لعل الله يغفر لنا ولكم.. عودوا إلى طاولتكم.. عودوا إلى مقاعدكم يرحمكم الله.