في لافتاته الأولى، كتب الشاعر العراقي أحمد مطر، واحدة منها، بالغة القصر، لا تتجاوز كلماتها 23 كلمة، ولكنها معبّرة تماماً منذ ذلك الحين “منتصف ثمانينات القرن الماضي” وحتى اليوم عن وضعنا. يقول فيها “بدعةٌ عند ولاة الأمر صارت قاعدة... كلهم يشتم أميركا، وأميركا إذا ما نهضوا للشتم تبقى قاعدة.. فإذا ما قعدوا تنهض أميركا لتبني قاعدة”، وربما لم يكن في تلك الفترة قد ظهر للعيان تنظيم “القاعدة” الذي كان للولايات المتحدة دور مهم في تأسيسه وتقعيده، وإلا لأضافه إلى هذا المقطع.
أميركا المتهم الأول في تحريكنا لأننا لسنا سوى مجموعة من الدمى التي لا تفكر ولا تقدّر ولا تتلقى أوامرها من واشنطن مباشرة. فأميركا قادرة على إيهام الملايين بأنهم بحاجة إلى الحرية والكرامة والعدل والمساواة. لأن مثل هذه الهرطقات لا توجد في قواميس الأمم، وليست من الإنسانية في شيء، ولا علاقة لها بهذه البدع الجديدة. أميركا هي التي تفقر الشعوب حتى تثور على أنظمتها الوديعة العادلة. وأميركا هي التي تجذّر التمييز الديني والعرقي والطائفي والفئوي والجنسوي في دول جنوب الكرة الأرضية، فمنذ متى عرفت دول العالم الثالث، بل وحتى دول العالم الثاني أن هناك مساواة بين الناس وقد خلقوا لكي يكونوا طبقات في الأساس.. وعلى البعض منهم ألا يحلم أو يتجاوز حدوده في الطموح وأن يقبع في الذيل والمؤخرة، كما خضع آباؤه وأجداده من قبل، وكما يجب أن تستمر الحياة بالنسبة لأبنائه وأحفاده، فكلٌّ يجب أن يعرف موقعه في هذه الحياة، وعلى من لا يقبل أو يتقبّل هذا الواقع أن يختار أي المحيطات ليشرب منها! أليست أميركا وراء “الربيع العربي”؟ ألم تحرك الشعوب والدهماء لكي يشاغبوا، ويندفعوا إلى الشوارع، ويعملوا فيها قتلاً وتخريباً وحرقاً ونهباً وتغييراً للواقع الذي “تتحسر” عليه اليوم الدول التي تحولت فصولها إلى خريف لا زرع فيه، وباتت قيعانها صفصفاً تصفر فيها الريح، وتتمنى يوماً من أيام الدكتاتورية أن يعود؟!
إن هذا الهذر الذي يسترزق من ورائه، سواء بصورته الفجّة التي تقدمت أو بصور أخرى أقل فجاجة وأكثر فصاحة؛ نفر ليس قليل من المحللين والكتاب والمعلقين والمنظّرين الاستراتيجيين في الدول المغلوب على أمرها، التي تفضّل دوام الحال المائل على تعديله، وضرب الأمثال أمر بسيط ومتاح، فتكفي الإشارة والتخويف مما حدث في عدد من الدول التي تغيرت أنظمة الحكم فيها بشكل دراماتيكي، وهي ليست فوضى وحسب، بل وافتقاد الأمن، ونشوء الميليشيات المسلحة، والقتل على الهوية، والتفجيرات العمياء، والاستهداف الديني والعرقي والقبائلي والمناطقي وغيرها من رموز “الاستهداف”، والعودة إلى طبائع الإنسان الأول الذي لم يكن يحسن الكلام بعد، فلا يجد سوى القوة العضلية ليحلّ بها المشاكل، وينهي المشاكل مع خصومه، ويسكتهم إلى الأبد.
هذا الحوار الذي يميز إنسان العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، عن جدّه الأكبر المندسّ في كهفه، الموقد النار عند فوّهة منزله لطرد الكواسر، المتوسّد هراوته أو حربته لئلا يباغته خصمه، المصدر أصواتاً وهمهمات أقرب ما تكون للغة ما يعايشه من حيوانات (أو هكذا يخيل إلينا)، هو الذي قاد أوكرانيا لوقف ما سبق أن بدأ في الأشهر الأخيرة، واستعر أواره في الأيام القلائل الأخيرة، وأسقط 100 قتيل. رأت الأطراف أن هذا أكثر من كاف لتجلس إلى طاولة الحوار وتتفاهم بعدما تركت نسختها الوحشية في الميدان المدمَّر تماماً، لبس كل من في الطرفين ربطات بذلاتهم، وعدّلوا من ربطات أعناقهم، وتأنقوا، وذهبوا إلى “الإنسان” الذي فيهم. رفعوا السقوف في المطالبات كما يجري الأمر عادة، بدأوا بسخونة وحذر، بدأت الغيوم تنجلي شيئاً فشيئاً، أدركوا أنه من خير البلاد وصالحها التقدم بشكل أفضل للمصلحة العامة، وأن التعنت لن يقود إلى مكان، بل إلى المزيد من القتل والدمار والدماء والديون والرعب. بدأوا سلسلة من التنازلات، وانتهت إلى ما انتهت إليه يوم الجمعة من تغييرات تم التوافق عليها. الرئاسة ومؤسساتها قبلت الهزيمة حقناً للتردي والتهاوي في وديان سحيقة لا يُعلم قرارها، بينما صقور المعارضة نددت بالاتفاق واعتبرته أقل من طموحاتها، ولكن في النهاية ينتصر الإنسان الكامن من الإنسان، سواء أيّدت أميركا المعارضة أم لا، فالحل الآخر هو المزيد من القتل حتى لا يتزعزع كرسي الحكم الذي تحكم روسيا قبضتها عليه.. إنها أميركا من جديد.
نعم، أميركا التي لا يمكنها إلا أن تزعزع المتزعزع، ولا يمكنها أن تدخل إلا من خلال فجوات الظلم والعسف والشعور بهدر الكرامة البشرية. أميركا التي تلوّح للجائع الذي يرى خيرات بلاده تنصرف إلى قلة من البشر من دون وجه حق، وعليه أن يقاسي المرّ حتى ينال ما يتساقط من فتات الموائد. أميركا نفسها التي تبني أمجادها وتمددها وتوسّعها وتحكم سيطرتها من خلال جدار اليأس الذي ترتطم به شرائح واسعة من شعوب الأرض المفتقدة لكل أنواع العدل والمساواة والرحمة، لذا أميركا لم تزعزع النظام السويسري مع أنه يملك حسابات أغنى الأغنياء لتنال وحدها الثروة على الرغم من القوميات المتعددة لسويسرا، ولم تتجرأ على ألمانيا الدولة الأقوى اقتصاداً في أوروبا لترضع واشنطن من ثدي برلين، ولم تؤلّب أميركا الناطقين بالإنجليزية على الناطقين بالفرنسية في جارتها كندا، كما أن السويد، ذات العرقيات الثلاث، التي حققت المرتبة الأولى في العالم على مؤشر الإيكونوميست للديمقراطية والسابعة في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، لم تشكُ قط من سفراء الولايات المتحدة وتدخلاتهم السافرة في شؤونهم الداخلية.
تبدو المعادلة سهلة وواضحة ومشروطة: إنْ أدارت دولة ما ظهرها للعدل، ستجد أمامها من يبشّر شعبها به.. انتهى الدرس.