العدد 1948
الخميس 13 فبراير 2014
وفي الغد يكون “ميثاق” غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 13 فبراير 2014

أليس من الاستحالة أن ننتظر الأمس؟ أن ننكب على الذكريات من أجل استحضار الشجن؟ هل قلت لي أين كنتَ في يوم التصويت على ميثاق العمل الوطني؟ ولمَ قلت “نعم” إن كنت من أصحاب الموافقة، أم قلت “لا” وأنت من أهل المفارقة؟ هل استطعت أن تخترق الحُجُب لترى ما الذي سيحل بنا بعد كل هذه السنوات من المكابدة؟ هل علمتَ أننا كمجتمع اليوم لسنا ذاك الذي كنا عليه بالأمس... وننتظر الأمس!
لمَ قلت “نعم” إذا إن كنت لا تعنيها؟ ولمَ قلت “لا” إن كنت لست مضطراً لها؟ إن كنت لا تحتاج أياً منها؟ إن كنت مرتاحاً من وضعك الذي كنت فيه؟ إن أتت أوضاع أخرى أم لم تأتِ فأنت تتدحرج وتدحرج أيامك ذاتها إلى الأمام في اتجاه النهايات المحتومة والمختومة لكل الأحياء. لا فرق لديك بين أن تصبح مطيعاً أم مطاعاً، ألا تجد أنها مقابلة لغوية مهمة بين كلمة “ساد” من السيادة، و”داس” من الوطء بالأقدام والدوس، أي فرق هذا الذي كنتَ تبحث عنه، أين كنت قبل ذاك التاريخ وبعده؟ هل لمست تغيراً في كيانك، في شيء لا يمكنك أن تتلمسه بيديك أو تحمله في حقيبتك.. إنها الكرامة التي قد تُفتك وتُهتك في لحظة ضعف كبرى أمام العجز من أن تستعيد ما تساقط منك، تلمّ غبارك، ما تحاتّ منك كما يتحاتّ الورق من أغصانه.. ليست المسألة في الاستعادة.. ولكنها في عدم تعرضك لأي أمر يهزّ جذع وجودك، يربك أجنداتك البسيطة منها والعظيمة، لأي شخص يمكنه أن يستبيحك هكذا وأنت تتفرج من دون أن تقوى حتى على النظر في عينه لأن عينك ساعتها يجب أن تتسمر في الإسفلت.. هل تحسست يوماً ندوب هذه الكرامة وأخاديدها. لستَ المعني وحدك، ها هو ذا الراحل الكبير نيلسون مانديلا يقول: ليس حراً من رأى غيره يهان ولم يشعر بالإهانة.. أسمعتْ؟ يكفيك ألماً على خديك إن كان غيرك يصفع ظلماً على مرأى منك، فإن شعرت بمرارة في جوف حلقك فذلك أضعف الإيمان بالحرية. ألم تنقلب هذه المرارة إلى شعور بالنشوة ذلك اليوم؟ ألم تشعر بكيانك، ألا تذكر كم كانت أوردتك متسعة ملؤها دمٌ يتدفق بجنون لا يدري إلى أين يذهب؟ فكل جسمك كان قلباً ينبض، ويشع حباً، لا يدري لمن يمنحه، ولمن يهديه، وهل مزيد من الناس ليأخذوا نصيبهم من هذه الطاقة الخلاقة؟
نعم، رأيتك ذلك اليوم، لأول مرة تقف طابوراً من دون ما تأفف. رأيتك تغفر الزلات البسيطة والعظيمة أثناء التصويت. ما سألتك ما الذي اخترته من بين الضفتين، هل اخترت “نعم” الميثاق أم “لا”، لأنك – يقينا – كنت تصوّت للبحرين وحسب.. البحرين كما اخترتها أنت وكما تمنيتها، حتى ولو كنت في الحقل الآخر، فأنت لا تزرع الحصرم، ولا تحصد اليباب، ولستُ أنا بالضرورة من يمتلك مفاتيح الحكمة ومغازي السداد، لسنا أكثر وطنية من بعضنا، فأنا مثلك لا مزامير لي لأقول لوطني “أحبك”، فالحب ليس صراخاً ولا يحتاج إلى أبواق لإعلانه.
لطالما كان صوتك المكتنز بملح هذه الأرض وسبختها كفيل ليمدّ دفء الألفة فيّ، وأحسبك كذلك عندما يتراءى لك خيالي، ونختلف بقدر ما يسعنا الاختلاف، ونفسر مواقفنا كما نشاء، ونتغاضب، ولكنك لن تغامر بطردي من داخلك، ولن أقوى على تهجير صوتك إلى الأقاصي، ولن نرفع فيما بيننا الجدران لأننا نحبس أنفسنا بها إنْ كنا لها واعين، ولن نتبادل تمزيق أرديتنا الوطنية، فقط قل لي: ألستَ أنت الذي كان في ذلك اليوم هناك؟ ألستَ الذي طاف الشوارع مهللاً ومتهللاً؟ ألم تمتطِ قرابينك لتسوقها إلى ميادين الفرح وتحررها الواحد بعد الآخر لوجه أوال... فلا خوفٌ اليوم ولا قتل بعد اليوم ولا دماء؟! ترخي وحوش البشر أكتافها إذ تراك مشرئباً في هوى من تحب، ويعلمون يقينا أن أكثر ما سيفعلونه هو أن يعبثوا بالفاني منك، وأنت للتو قد حبّرتَ غدك وصوّت وأدّيت الأمانة كاملة في حينها، ورأيتك إذ تعدّ بالسبحة الساعات لتعلم عدد الذين سيركبون القارب معك، ورأيتك ترسم بين النجوم دربك، ورأيتك تخط في الرمل طريقاً، ورأيتك ترصّ أحلامك الغضّة بين الثنايا والحنايا وتترك للآتي مكاناً، ورأيتك إذ تنزع أسوار أحلامك وتتركها تتفلت كيفما شاءت، ورأيتك تكسر أقفال قلبك وترمي مفاتيحها في واد سحيق، ورأيت أحبارك سخية الألوان تتدفق في المدى، ورأيتك أنت كما لم تكن من ذي قبل.. أجمل من أي وقت، وأبهى بحريني كان.
اليوم، وبعد كل هذا الذي مرّ، لم أرك إلا أنت، لم تزدك السنون إلا ألقاً، ولم تفقدك السنون رونقك، هي الذاكرة نفسها التي اختزنتك وعبّأتك وحفظتك في ذلك اليوم الذي قررت فيه أن تمارس حبك للوطن بكل حرية، وأن تقول كلمتك، ومهما كانت كلمتك، كنت لا ترى سوى البحرين، ولم يسكن غيرها فؤادك، ولم تتشبع إلا بها، ولم تعرف إلى غيرها درباً، ولا إلى سواها انتماء. واصلنا توقيع ميثاقنا اليومي، والذود عن غدنا. شذّ من شذّ عن الطريق، وتاه بعضنا في تلمّس مبتغاه، فلا تأخذنّك دهشة في تعشقي إياك، فقد رأيتك فيّ، ورأيتك – بالمحبة ذاتها – تراني. سيرونا مجرد ساذجين علينا انتظار خناجر مفترضة وراء ظهورنا خبأناها، لكننا لا نزال نحتسي القهوة معاً، ونستغيث بالآتي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .