العدد 1938
الإثنين 03 فبراير 2014
قيمة الفساد ومصارع العباد غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 03 فبراير 2014

من بين الكثير من الملفات التي تشغل الرأي العام البحريني، أو التي تشكل طنيناً في أذنيه ليل نهار، ولا يدري متى تنتهي، أو ما إذا كان ستنتهي من الأساس أم لا؛ تبرز مسألة محاسبة عدد من الهيئات الحكومية التي أتى عليها ذكر تقرير ديوان الرقابة الإدارية والمالية العاشر، وتطاير رائحة فساد في بعض القضايا، وهذا ما أحيل إلى النيابة العامة للتحقيق فيه. ويقول قائل: الآن؟ بعد عشر سنوات؟ ليردّ عليه آخر: أن تأتي المحاسبة متأخرة خير من ألا تأتي أبداً. وأن يكون هناك رد فعل أفضل من أن يكون هناك رد كلام شبعنا منه. وبين هذا وذاك هناك من ينتظر أن يرى النتيجة، ليس للتشفي، ولكن لكي يرتدع المضيّعون الحقيقيون للأموال العامة، مع سبق الإصرار والترصّد، ومن دون خوف أو تردد. فالفساد في هذا السياق يعني سوء استخدام سلطة ممنوحة لشخص ما لتحقيق الكسب الشخصي.
وإن ليست للفساد رائحة زكية، فإنها فقط تتراوح في القوة والقدرة على توصيل الشعور بالغثيان لدى المرء، إن هذه القضايا تتنوع وتتراوح ويختلف أبطالها، وتتفارق قصصها، وتتعدد جهاتها. والمسألة ليست رهنا بالبحرين حتى يحاول بعض المخلصين لنظرية “الأمور طيبة” أن يذبّوا عنها السمعة السيئة في هذا الباب. لأن الفساد لا دين له ولا جنس ولا جنسية ولا هوية ولا جواز سفر لدولة معينة. فمتى ما ضعفت الرقابة وتراخت القوانين، نزعت النفس البشرية قناع التقى والاستقامة، وراحت تمارس جشعها بالطرق السويّة والمتلوية معا.
فإذا كانت كلفة الفساد تقدّر بحوالي تريليون دولار على مستوى العالم قبل عشر سنوات (2004) بحسب البنك الدولي [1] و”هذا الرقم لا يتضمن اختلاس الأموال العامة أو سرقة الموجودات العامة” كما يقول تقرير البنك الدولي، ذلك لأنه يفرّق بين “الفاسدين الكبار” و”الفاسدين الصغار”. لأن دفع رشوة لموظف صغير في واحد من المجالات الخدمية، غالباً ما يُقصد منه الدفع لتسريع إنجاز معاملة فردية، أو مجاوزة القانون، أو التقدم على الآخرين، وهذا يعني أنها معاملة فردية، وأضرارها محدودة وكذلك فوائدها، والمبالغ أو الخدمات أو الأمور العينية الأخرى المعطاة فيها محدودة أيضاً. بينما إذا أتى الحديث عن الفاسدين الكبار فإن الأمر يتعلق بمقدّرات الدول، والمسألة لا تبدأ عند خزينة الدولة أو تنتهي عندها، لأن “الخزينة” هنا تحال إلى بوابة من الحديد البارد الذي لا إحساس فيه؛ ولكن المسألة أيضاً تتعلق بما يترتب عليه ذلك من ضعف في البنية التحتية، وتراجع المستوى الصحي، وتأثر الكثير من القطاعات الخدمية، حتى أن تقارير تربط بين الفساد المالي (وهو الأوضح والأكثر إيجاعاً) وبين نسبة وفيات الأطفال الرضّع في عدد من البلدان التي هي في عرض أية مساعدة مالية تأتيها من الخارج، ولكنها تذهب في المنافع الشخصية والملذات والحسابات الخاصة. وإذا كان كل من “الفاسد الصغير” و”الفاسد الكبير” أخوان في الفساد والجريمة، فإن الفرق يكمن فقط في حجم الدمار الذي يحدثه كل منهما، ومحيط هذا الدمار من الاتساع.
فغالباً ما تتركز قضايا “الفاسدين الكبار” في مشاريع البنية التحتية، مدّ الطرق، محطات إنتاج الكهرباء والماء، صفقات السلاح، والمشاريع الحيوية المختلفة من بلد إلى آخر بحسب الأولويات، المشتريات الكبرى مثل الدواء، أو الكتب الدراسية، رخص إقامة المصانع، تقاضي الرشوة لغض الطرف عن شروط السلامة، أو لفرض قوانين أو نصوص في القوانين يستفيد منها طرف آخر لتحقيق مصالحه، والقائمة تطول، تنتفخ فيها حسابات الراشين والمرتشين والناهبين من المال العام، ويزداد حجم الضحايا المحسوبين (في قضايا مثل ضعف البنية التحتية أو أمور متعلقة بالصحة مثلاً)، والضحايا غير المنظورين أو المحسوبين، كزيادة عدد الفقراء.
إن مباشرة البحرين لموضوع الفساد بشكل جاد وصارم من شأنه أن يحسّن موقعها عالمياً على مؤشر “مدركات الفساد”، الذي جاءت نتيجته – التي أعلنت في أوائل ديسمبر 2013 – لتشير إلى تراجعنا من المرتبة 51 في العام 2012 إلى 57 في العام الماضي، وهذا بلاء لا سبيل للاستتار منه. حتى إن كانت البحرين – بحسب هذا المؤشر العالمي لمنظمة الشفافية الدولية [2] – أفضل “موقعاً” من 14 دولة عربية أخرى، إلا أنها حازت على 48 نقطة على المقياس المتدرج إلى 100 نقطة، حيث حصلت أقل الدول فساداً على 91 نقطة، وهي أيضاً ليست استثناء، لأنها واحدة من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقياً التي ما نسبته 84 % منها التي حصلت على أقل من 50 نقطة على هذا المؤشر. ومع كل هذا، فإن ما تقدم لا يعني أن ليس بإمكانها أن تحسّن موقعها الدولي، وتتقدم مراتب متعددة في السنة القادمة مباشرة، حينما تضرب بيد من حديد على أيدي “الفاسدين الكبار”، وتخوّفهم من العبث واللامبالاة فيحجمون ويترددون، ويكفّوا أيديهم جزئياً عن ممارسة الفساد بشتى أنواعه. وهذا لا يأتي فقط من ناحية الأحكام القضائية التي “قد” يُقضى بها في حال ما رأت النيابة العامة إحالة ما أحيل إليها إلى القضاء؛ وإنما أيضاً عبر تعزيز الشفافية العامة، وإفساح مجال أوسع وأكثر فاعلية للمجتمع المدني والصحافة لتكون أكثر تأثيراً، لأن الشفافية مفصل مهم في القضاء على الفساد، كما قال القاضي الأميركي المعروف لويس د. برانديس (1856-1941) “ضوء الشمس هو أفضل مطهّر”، والشفافية هي وحدها التي تسمح لضوء الشمس أن يُكسب بلادنا وضعاً صحياً تقل فيه الزوايا المعتمة الرطبة التي تنمو فيها الطفيليات ويزداد فيها العفن، وتتصاعد منها روائح الفساد.
بالأمس القريب، “أهداني” أحد الأصدقاء صورة للزعيم السنغافوري الأسطوري لي كوان يو، تحمل واحداً من عباراته المشهورة، يقول فيها “تنظيف الفساد مثل تنظيف الدَّرَج... يبدأ من الأعلى نزولاً للأسفل”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .