مرة أخرى لا أجد عنواناً أنسب مما اجترحه محمود درويش ذات ديوان عندما أسماه “لماذا تركت الحصان وحيداً؟”، لأننا أمام واقع مشابه في الغرابة والتساؤل غير الآتي على دراجة أحد الأطراف الداخلة في الحوار، وإنما هو من ضمن ركاب عربة الذين يريدون نهاية للكابوس الذي عاشوه وبلغ ذروته قبل ثلاث سنوات تقريباً، ومازالوا إلى اليوم يستمعون إلى ضاربي الودع السياسي، وإلى مفسري الأحلام المتنوعين المدّعين المعرفة الحقة في كل الأمور، والمالكين مفاتيح الحق وحده، وأن من هو خارج دائرتهم هو الباطل بعينه.
في ليليتين متتاليتين في هذا الأسبوع قوبلت بالسؤال ذاته، من شخصيتين مختلفتي الاتجاه والانتماء: كيف ترى مستقبل الحوار؟ وعلى الرغم من دهشتي العالية من توجيه هذا السؤال لشخصي وأنا في حلٍّ من الانتماء السياسي، بينما السؤال يُفترض أن يوجّه إلى الضالعين في الحوار نفسه من الجمعيات المتجالسة على الطاولة بأضلاعها، إذ هي من تداعت إلى الحوار، وهي التي وضعت أسسه، وهي التي قضت ردحاً لا بأس به من الزمن، وهي التي انفضّت من حوله وتركته قائماً، وحيداً، تركت قاعاته باردة صفصفاً بعد أن صمتت، وراحت تبرر لجماهيرها خطوتها تلك.
السؤالان كانا ينمّان عن حقيقة واحدة (وإن كان لا يعوّل علمياً على الصدف والحالات الفردية)، إذ يشيران بوضوح إلى التعطّش البحريني للخروج من عنق البركان قبل أن يثور، والتجارب التي يمكن مسحها زمنياً، التي يُفترض أن تعلمنا ما نستفيد منه في مستقبلنا، تقول إنه لابد أن يثور إن لم يجر التعامل معه بحكمة بالغة، وبمسؤولية عالية، ومداخل هذا الثوران قد تتنوع وتتعدد، ولكنها – أيّاً ما كانت أسبابها – ستنتهي إلى النتائج ذاتها التي عانينا منها على امتداد تاريخ البحرين المعاصر: قد تتنوع المطالبات، وقد تتشابه الحلول المسكتة لهذا الثوران من حقبة إلى أخرى، ومن عقد إلى عقد، أو قد تتشابه أيضاً الحلول، ولكنها تنتهي إلى النهاية نفسها، وإلى الاتهامات المتبادلة نفسها، بل قد تكون الساحات متكررة، والتفسيرات متقاربة ومتطابقة أحياناً، إلقاء اللوم منسوخ نسخاً من كل مرة، وكل “حراك” والبحرين ليست في خير مادام أحدٌ لا يسمع أحداً، ومادامت بواعث أسباب القلق والمعاناة هي نفسها التي تشكل جذور المشكلة.
إن ما يجري اليوم هو امتداد لما جرى في الأمس القريب، روايتان متناقضتان لا تمسّان للقرابة بصلة إلا من حيث الخطوط العامة، بينما في التفاصيل تكمن جيوش من الأباليس. فلو رأيتَ متحاورين ينتميان إلى طرفين متناقضين، ستلمس بنفسك كمّ الحماس العالي لموقف فريقه المتحاور، واللهجة الآسفة على التزامه هو فقط بموجبات الحوار وقوانينه وما تم الاتفاق عليه، بينما الطرف الآخر غارق في شيطنته وتآمره وتلقيه تعليمات القصد منها إفشال المسألة برمّتها، وتلغيمه للحوار، وتملصه من الاتفاقات، وتسميمه البئر التي ينهل منها المتحاورون، وهو ما يذكرنا بالبون الشاسع للرؤيتين إبّان الأزمة، وكان الظن أن ما أعقب تلك الأيام من أيام، وما تعاقب من شهور، كانت كفيلة بتجميع شظايا القصص لرسم روايتين وطنيتين تقتربان من بعضهما حتى وإن لم تتطابقا.
هل هي “الكرامة” السياسية من يحرك هذا الاختلاف؟ هل انعجن الخلاف السياسي بالخلاف الفقهي والمذهبي، فما لم يجرِ حلّه قبل خمسة عشر قرنا لن يجري حله على طاولة مخملية؟ هل هناك من لا يريد للحوار أن يتم فلا يهدأ له بال، ولا يقر له قرار إن رأى إمكانية تقارب في الرؤى فيصبّ الرصاص المحمي ليصنع بين المتحاورين سدّاً لا يستطيعون أن يظهروه ولا يستطيعون له نقباً؟ هل هناك طرف موعود بجوائز وعطايا ومكتسبات إن لم يجر الحوار كما أراده وتوقعه الناس؟ وأيُّ ناس؟ هناك من استاء من فكرة الحوار حتى قبل أن تنطلق في صيف 2011، وهناك من تشاءم من آلياته، وهناك من بشّر به بوصفه المنقذ من الهلاك، وهناك من نسي أنه وسيلة واعتبره هدفاً مرحلياً لأن الحوار في حد ذاته مطلب قديم تهجس به بعض القوى، وتتجنبه بعض القوى، وترنو إليه بعض القوى، وترفضه بعض القوى، وبالتالي فهو أيضاً (الحوار) يحتاج إلى قناعات متقاربة ومشتركة كفيلة بأن تفرش الأرضية الأساسية لجملة من التفاهمات الوطنية التي يخرج فيها الوطن وحده غالباً، من دون المكابرة أو المزايدة، ومن دون العبوس الذي يكسو الوجوه في المؤتمرات الصحافية التي تعقب اتخاذ قرار خطير كالانسحاب وترك الحوار وحده يصطرع.
لقد ترك المتحاورون الطاولة وحيدة، وتركوا الحوار وحيداً، وركنوا إلى جمعياتهم وقواعدهم ومرجعياتهم، ليفسروا ما جرى، أو ليجروا على ما يُفسَّر لهم، ليس هناك داع للعجلة، فالوقت أمامنا طويل، والأمور تسير من حسن إلى أحسن، والاقتصاد في ازدهار، والمشاريع تترى، والبطالة في أدنى مستوياتها، والإنتاجية في أوج عطائها، والنفسيات البحرينية ليس أروع منها، والتعاطي العام والخاص بين المتنوعين مذهبياً وسياسياً في شكلها المثالي الذي لا يمكن أن تصل إليه أية دولة أخرى... فلم العجلة إذا؟.